Pages

mardi 7 mai 2013

نهايــة البدايــة


نهايــة البدايــة


أ-رمسيس
بسم الله الرحمان الرحيم:  "طسم تلك آيات الكتاب المبين، نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين.ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون"                                                                                       " القصص: 1-6".
إن تاريخ الفراعنة حضي باهتمام كبير من جانب خبراء الآثار فقد بحث فيه الكثير من علماء التاريخ وهو يغطي حوالي أربعة آلاف سنة من الأيام الغابرة أما أشهر الفراعنة فهم الأحد عشر  رمسيس الذين ينتمون إلى الأسرة المالكة التاسعة عشرة والأسرة المالكة العشرين. ومن بينهم رمسيس الأول مؤسس الأسرة التاسعة عشرة الذي حكم مصر من سنة 1314 قبل مولد عيسى عليه السلام، ثم رمسيس الثاني الذي تولى الحكم من سنة 1301 إلى سنة 1235 قبل الميلاد، وهو الذي تصدى للحثيين في فلسطين وسوريا، ثم تحالف معهم سنة 1284 قبل الميلاد. وقد نسب إليه المؤرخون الأشغال الكبرى في سهول النيل وأنجب من الأبناء مائة وخمسين بعد أن كافأ نفسه على انتصاراته ببضع مئات من النساء. كان أبناؤه ومن تناسل منهم من الكثرة بحيث تألفت منهم طبقة خاصة في مصر بقيت على هذه الحال أربعة قرون، وظل حكام مصر يختارون من هذه الطبقة أكثر من مائة عام. أسرف في البناء وأتم بناء البهو الرئيسي في الكرنك، وأضاف أبنية جديدة إلى معبد الأقصر، وشيّد ضريحه المعروف بالرمسيوم في غرب نهر النيل وأتم الهيكل المنقور في الجبل عند أبي سنبل، ونشر تماثيل له ضخمة في طول البلاد وعرضها، أوصل النيل بالبحر الأحمر وازدهرت التجارة في عهده عن طريق برزخ السويس والبحر المتوسط. ثم اعتلى عرش الفراعنة بعد رمسيس الثاني "منفتاح" وهو فرعون الأسرة المالكة الجديدة من سنة 1235 إلى سنة 1224 قبل الميلاد. وأرجّح أنّ رمسيس الثاني هو الذي تربى في قصره موسى عليه السلام، وأن منفتاح هو الفرعون الذي أغرقه الله تعالى في البحر الأحمر حسب ما اطلعت عليه من الكتب المختلفة. بعد هذه المعلومات التي استعرت معظمها من كتب التاريخ أرجع إلى الأبحاث المستقاة من القرآن العظيم وعلمائه الأفاضل.قال الله عز وجل:  "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون، فقالوا : ساحر كذاب. فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم، وما كيد الكافرين إلا في ضلال. وقال فرعون: ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم  أو أن يظهر في الأرض الفساد. وقال موسى: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، وإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب. يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا. قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. وقال الذي آمن: يا قوم، إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم، وما الله يريد ظلما للعباد. ويا قوم، إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين، مالكم من الله من عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد. ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فمازلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم: لن يبعث الله من بعده رسولا. كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا. كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار. وقال فرعون: يا هامان، ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إلاه موسى، وإني لأظنه كاذبا. وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب. وقال الذي آمن: يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار. من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة، يرزقون فيها بغير حساب. ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار: تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم، وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار. لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار. فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" "غافر: 23-44".
وقبل أن أتبسط في الكلام عن طاغية العصور الغابرة أريد أن أترحم على مؤمن آل فرعون لما نطق به من الرشاد والحكمة والهدى وما كان عليه من اليقين والتبصر وما جازف به عندما اتبع الحق وعادى واحدا من أطغى وأعنف جبابرة الأرض وأبغضهم إلى جبرائيل عليه السلام. رحم الله مؤمن آل فرعون رحمة واسعة وأثابه عن إيمانه أحسن الثواب، وقد نسبه بعض العلماء إلى شريعة سيدنا إبراهيم عليه السلام. بعد ذلك أتفرغ للكلام عن فرعون:  أرسل العزيز الحكيم تبارك وتعالى موسى وهارون عليهما السلام، دفعة واحدة إلى فرعون كي يتخلى عن ضلاله البعيد وعلوه في الأرض واستكباره عن البشر واتباعه السحرة : "اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري. اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى. قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى. قال: لا تخافا، إنني معكما أسمع وأرى، فأتياه، فقولا:إنا رسول ربك، فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم. قد جئناك بآية من ربك، والسلام على من اتبع الهدى، إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. قال: فمن ربكما يا موسى ؟ قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ".                               "طه: 42-50"                                                                                        
إن العناية الكبيرة التي خص بها القرآن العظيم ومؤرخو الحضارات حياة وسياسة فرعون مصر تقيم الدليل المتين على عظمة سلطان الإمبراطورية الفرعونية وعلى ضخامة جبروت مصر القديمة، وقد أقر بعض الخبراء بإمكانية وصول الفراعنة إلى أمريكا منذ أكثر من 3500 سنة، كما اعتمد أستاذ أمريكي من جامعة "هارفارد" على العبارات الكثيرة التي يستعملها الهنود الحمر والتي هي من لغة المصريين القدامى، فضلا عن التشابه الكبير بين وسائل الري القديمة المستعملة في نهري "الميسيسبي" بأمريكا و"النيل" بمصر، وقد نشرت هذه الدراسة في أواخر سنة 1993 بعد الميلاد. كما افترض عالم من شمال أوروبا في السبعينات من القرن العشرين بعد عيسى عليه السلام عقب قيامه برحلة بدائية بحرية من مصر إلى المكسيك لم يستعمل فيها من الأغذية والأمتعة والأجهزة إلا ما كان موجودا في زمان مصر القديمة، أفترض أن الفراعنة وصلوا أمريكا قبل اكتشافها سنة 1492م  بعد عيسى عليه السلام من طرف "كريستوف كولومبس" بمئات السنين. ودعم نظريته هذه بالتشابه القائم بين أهرامات مصر وأهرامات "المكسيك" وإن دل كل ذلك على شيء فإنما يدل على اتساع ملك الفراعنة وعلوهم في الأرض. " ونادى فرعون في قومه، قال:
"يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ؟ فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ؟ فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين"  
 "الزخرف: 51-54".
أصر الفراعنة على الكفر والتصدي لرسولي الله تعالى: موسى وهارون وازدادوا ظلما واستكبارا وضاعفوا من قسوتهم على بني إسرائيل المستعبدين في أشغال العمارة والفلاحة والصناعة والخدمات المنزلية، فأرسل الله عليهم بعد آيات النبوة، آيات الغضب والعذاب، ثم آيات الهلاك والغرق.
"ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص في الثمرات لعلهم يذكرون. فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه. ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.وقالوا: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم:  الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين. ولما وقع عليهم الرجز قالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل. فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون "                                                  " الأعراف 129-135"
أما عدد الآيات التي أرسل الله بها موسى إلى فرعون وقومه فهو الذي أشارت إليه الآيات الكريمات من سورة الإسراء: "ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فاسأل بني إسرائيل، إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ! قال: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر، وإني لأظنك يا فرعون مثبورا"                           "الإسراء: 100-102".
وفي غفلة من الفراعنة، انطلق موسى عليه السلام ومعه بنو إسرائيل في اتجاه فلسطين قاصدين بيت المقدس التي بناها يعقوب، ثم جددها سليمان عليهما السلام وهو مكان الصخرة والمعروف الآن بهيكل سليمان. « Le Temple de Jérusalem » . بيد أن موسى عليه السلام وقومه قد وصلوا الشاطئ الغربي من البحر الأحمر. فلما لاحت طلائع جيوش فرعون، دب في قلوب اليهود رعب شديد من بطش الفراعنة وتوحشهم. فطمأنهم موسى عليه السلام و ضرب البحر بعصاه فانشطر البحر حتى ظهرت أرضه وجففتها رياح إلهية، ثم أمرهم بالعبور الفوري، وقد قال بعض علماء القرآن العظيم: إن البحر إنفلق على إثني عشر طريق بعدد أسباط بني إسرائيل وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى عليه السلام ودخول أجدادهم قبل ذلك إليها صحبة أبيهم يعقوب عليه السلام ستة وعشرين وأربعمائة سنة شمسية (426 سنة شمسية). أما « Petrie » فيرجع في كتابه  « Egypt and Israel » تاريخ دخول اليهود مصر إلى عام 1650 قبل عيسى عليه السلام وتاريخ خروجهم منها إلى عام 1220 قبل الميلاد واعتمد في ذلك على ما ورد  في التوراة من أن اليهود أقاموا في أرض مصر أربعمائة وثلاثين عاما. أما اليهود فهم يعتقدون أن شعب إبراهيم جاءوا من "أور" في بلاد "سومر" واستقروا في فلسطين حوالي 2200 قبل الميلاد أي قبل موسى بنحو أكثر من ألف عام، كما دلت اللوحة التي أقامها "منفتاح" حوالي 1225 قبل الميلاد والتي وردت فيها هذه العبارة: لقد غلب الملوك وقالوا "سلاما" وخربت "تحينو"، وهدأت أرض الحثيين (الشام)، وانتهت كنعان وحلت بها كل الشرور، وخربت إسرائيل، ولم يعد لأبنائها وجود، وأصبحت فلسطين أرملة لمصر، وضمت كل البلاد، وهدأت. وكل من كان ثائرا قيده الملك "منفتاح". من كتاب قصة الحضارة لوول ديورانت" وكان بين كل طريقين نوافذ يشاهد منها بنو إسرائيل بعضهم بعضا أثناء عبور البحر فيستأنسوا ولا يجزعوا من هول المشهد. اقترب فرعون وجيشه العرمرم من موقع العبور، فهالهم الأمر وشعروا بأن الأمور ليست كعادتها وأن البحر لم يعد كعهدهم به، وفي هذه اللحظة بالذات التي خامرتهم فكرة العدول عن ملاحقة موسى وقومه، تدخل جند الله ونزل من السماء جبرائيل عليه السلام واقترب من مقدمة الجيش على صورة فارس فرعوني ممتطيا فرسا حائلا (وهي الفرس القابلة للتلقيح) فمر من قرب الحصان الذي يمتطيه فرعون، ودخل البحر، فما كان من جواد فرعون إلا أن ثارت غريزته الحيوانية واتبع فرس جبرائيل عليه السلام. فعبر الجيش طرق البحر اعتقادا منهم بأن فرعون قد أعطاهم إشارة العبور و الحقيقة هي أن جنود عزرائيل عليه السلام كانوا في حالة استنفار قصوى لانتزاع أرواح الفراعنة في يوم من أعظم الأيام الغابرة انتصر فيه حزب الله على أحزاب الشياطين. فلما وصل موسى عليه السلام ومن معه من قومه إلى الشاطئ الشرقي من البحر الأحمر، -بينما قد توسطه فرعون- انطبق البحر على الفراعنة وانقض رسل الموت على أرواح المصريين ينتزعونها بكل عنف وشدة وغضب بعد ذلك عاد الماء كما كان قبل ضربه بعصى موسى عليه السلام. فأهلك الفراعنة غرقا.أخبر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم عن ذلك الحدث العظيم في قوله من سورة الزخرف: "فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين".                                                             "الزخرف: 55".
ومعنى كلمة "آسفونا": أغضبونا غضبا شديدا. أما جثمان فرعون فما زال محنطا بالقاهرة، فلم يهترئ لأن الله تعالى أبقى بدنه ليكون آية للناس أجمعين. جاء هذا المعنى في قول الله تعالى: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون"                                                                                        "يونس عليه السلام:92".
فلما تيقن فرعون من هلاكه وأشرف على الموت غرقا، علم علما متأخرا أنه كان ضالا و أن الله تعالى أقوى منه وأقوى من كل الجبابرة مهما قوي بطشهم ومهما توحش زبانيتهم، فقال عليه اللعنة في مناورة أخيرة: "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين".                                                                           "يونس عليه السلام: 91".
لكن هيهات،هيهات  أن ينفعه إيمان في تلك اللحظة الأخيرة من حياته الدنيا. إذ أنه لما سلط عليه الله سبحانه وتعالى المصائب تلو المصائب من جدب ونقص في الثمرات وطوفان، وجراد، وقمل، وضفادع، ودم، لم يجد الإيمان طريقا مفتوحا إل قلبه وقلوب طواغيته، وتحصن بقلاع الكفر وأبراج البطش والظلم وكذب موسى عليه السلام وأنكر وجود إلاه غيره، وفرض على الناس من حوله تقديسه و إقامة التماثيل والصور له في كل مكان من الإمبراطورية الفرعونية، وأجبرهم على تعظيمه و عبادته، ذلك أن الأذى لم يمسسه مباشرة تماما كما لا يلحق شياطين الحكم الأذى إلا بعد أن تتكبد الشعوب أفدح الخسائر في السلم والحرب. " وقال موسى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك. ربنا أطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. قال: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون. وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا، حتى إذا أدركه الغرق قال: " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين".                                                           "يونس عليه السلام: 88-91".
وكما بينت في بحث سابق، إن مثل هذه التوبة المتأخرة جدا والتي وقعت فبي لحظة الهلاك هي غير مقبولة من الله تعالى، وأسباب رفضها بينها الله تعالى في قوله من سورة النساء: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن".  "النساء: 17". وفي قوله من سورة غافر عن الأقوام الضالة: "فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون" "غافر: 84-85". ومن سنن الله تعالى في خلقه، أنه لا يؤجل قضاءه المبرم. "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون "آخر سورة المنافقين".
"لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون".                                      "يونس عليه السلام: 49".
فالتوبة إلى الله تعالى تنفع قبل مشاهدة وفد ملائكة الموت. وعن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم قال: لما أغرق الله فرعون، أشار بإصبعه ورفع صوته: "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل" قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه، فيضرب به وجهه فيرصه" ومعنى الحال هو طين قاع البحر وأوحاله، ومعنى يرصه: أي يدفنه في الأوحال كي لا ينطق بالشهادة. و عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى اله عليه وسلم، أنه قال: "قال لي جبريل عليه السلام: "يا محمد، لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه، مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له". وحقد جبريل عليه السلام وبغضه الشديد لفرعون إنما نتجا عن إدعاء طاغية مصر الربوبية والعلو في الأرض واستعباد البشر فقد روى علماء الحديث الشريف: أن جبريل عليه السلام قال: "ما بغضت أحدا بغضي لفرعون حين قال:
"أنا ربكم الأعلى، ولقد جعلت أدس في فيه الطين حين قال ما قال". وكان هلاك الفراعنة في يوم عاشوراء من شهر محرم من الزمان الغابر، فلم يبق بمصر إلا عامة الناس، وتسلط نساء مصر على رجالها، ذلك أن نساء أمراء الجيوش والفرسان والفراعنة تزوجن بمن دونهن من عامة الناس ومن العبيد والمماليك، فكانت لهن السطوة على الرجال، واستمرت هذه سنة نساء مصر إلى عصرنا هذا. "وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار. قال الذين استكبروا إنا كل فيها، إن الله قد حكم بين العباد، وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ؟ قالوا: بلى. قالوا: فادعوا فما دعاء الكافرين إلا في ضلال. إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار"      "غافر: 45-52".
إن أرواحهم توجد الآن في المرقد البرزخي الخاص بالمجرمين، تعرض على النار غدوا وعشيا، في أجواف طير سود، لا يلحق بهم من آثار كفرهم وفسقهم وضلالهم وشركهم إلا ما يزيدهم رعبا وغبنا وشقاء وذعرا جزاء ما كانوا يعبدون من دون الله من الأصنام والأوثان والكواكب والنجوم والحيوانات. ذلك أنهم عبدوا الشمس والبقر، وأوزيريس، وإيزيس، وحوريس، والقمر ومن المفيد في هذا المقام أن أقتبس من "قصة الحضارة" للأمريكي "وول ديورانت" ما يلي وحاكي الكفر ليس بكافر وأعوذ بالله مسبقا من عبارات الكفر والفسق والضلال البعيد الآتية: يقول"وول ديورانت": … لسنا نجد في بلد من البلاد- إذا استثنينا بلاد الرومان والهند- ما نجده من الآلهة في مصر … يقول المصري: إن بداية الخلق هي السماء وقد ظلت هي والنيل أكبر أربابه إلى آخر أيامه، ولم تكن الأجرام السماوية العجيبة، في اعتقاده، مجرد أجرام بل كانت هي الصور الخارجية لأرواح عظيمة، وكانت السماء قبة تقف في فضائها الواسع بقرة عظيمة هي الإلهة حنحور والأرض من تحت أقدامها، وبطنها يكسون جمال عشرة آلاف نجم، ومن عقائدهم أن الأبراج والنجوم قد تكون آلهة، … ولعل القمر كان أقدم ما عبد من الآلهة في مصر القديمة ولكن الشمس في الدين الرسمي كانت أعظم الآلهة، وكانت تصور أحيانا على أنها عجل مقدس يولد مرة في فجر كل يوم، يمخر عباب السماء ثم ينحدر إلى الغرب في كل مساء، ويطلقون أحيانا أخرى على الشمس اسم حوريس … وكانت بعض النباتات مقدسة لدى المصريين القدامى كالنخلة مثلا والبصل. وغصت هياكل المصريين القدامى بمقدساتهم الحيوانية كالعجل والتمساح والصقر والبقرة والكبش والأفعى وكان أمون يرمز إليه بكبش، ورع بعجل وأوزيريس بعجل أو كبش وحوريس بصقر وحنحور ببقرة، وكانت النساء يقدمن لهذه المعبودات ليكن زوجات لهن وإن أجمل النساء كن يقدمن لمضاجعة التيس المقدس، ثم عبدوا إيزيس وأوزيريس وابن إيزيس: حوريس … وكان الكهنة يحصلون على طعامهم وشرابهم من القرابين التي تقدم للمعبودات والأصنام وأقف عند هذا الحد من كلام " وول ديورانت"  وفيه أكثر من دليل على ضلال المصريين القدامى وشركهم وكفرهم البعيد. إن قصة فرعون موسى تمثل في نظري واحدة من أعنف وأغرب وأقوى قصص البشرية، تروي للعالمين أحداثا مأساوية، تقابل فيها من جهة الحق المبين موسى وهارون ومؤمن آل فرعون، ومن جهة الباطل الزهوق فرعون وهامان وقارون.  "كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين. ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين" "الدخان: 24". ورغم نجاة بني إسرائيل من جحيم الفراعنة ورغم تواتر وكثرة أنبيائهم فقد رأينا سابقا في فقرة المفسدين في الأرض كيف تفنن اليهود القدامى في مشاريع الفساد والكفر والتضليل، وكيف يتفنن يهود هذا العصر في امتصاص عرق الشعوب والسيطرة على المخططات السياسية الدولية وارتكاب أبشع الجرائم في حق الشعب الفلسطيني المجاهد و هدم أخلاق البشر وإن شاء الله تعالى سنطلع معا عن جوانب أخرى من جبروت الفراعنة وفساد اليهود عندما يصل بنا الكلام إلى كليم الله: موسى عليه السلام ضمن فقرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الكتاب الثاني من البداية والنهاية.
وأختم الحديث عن المترشح الأول لعرش المملكة الملعونة بقول العزيز الجبار جل جلاله وعز شأنه وعظم سلطانه لرسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه، فاتبعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد. يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد  المورود، واتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود. ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد. وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك و ما زادوهم غير تتبيب. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد"                                                                         "هود عليه السلام: 96-102 "



 ب-أدولف هتلر
زعيم العنصرية
نتحول على بركة الله تعالى داخل المملكة الملعونة من إفريقيا موطن البرابرة والفراعنة والأحابيش إلى أوروبا موطن شياطين الإنس ممن هدموا في العصور الغابرة أسس الحضارة البشرية وتفرغوا في العصور الحاضرة إلى نشر الفساد والدعارة بين معشر الإنس. ومترشحنا الثاني إلى كرسي البطش والإجرام بعد رمسيس الثاني يأتي من ألمانيا وهو من أطغى مجرمي التاريخ الحديث وهو: أدولف هتلر.
إن الخراب الذي نتج عن الفلسفة النازية والدمار الذي خلفته رغبة الألمان في قيادة العالم والهيمنة على كوكب الأرض لم يسبقهما مثيل فيما مر من الحياة الدنيا. "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون".                                                                                                       "المجادلة: 19".
 فبعد حوالي 3163 سنة شمسية من هلاك العفريت رقم 1: فرعون موسى، دوت من جديد نواقيس الفزع والرعب في سماء كوكب الأرض معلنة بدء المشروع الألماني في سياسة المملكة الملعونة بقيادة عفريت الرعب والموت، مجرم البشرية: أدولف هتلر. وتبدأ أعاصير الخراب وعواصف الفناء وزلازل الهلاك تدمدم وتفتك بكل ما يعترضها، فتدوس وتهلك كل من يعترض سبيلها، وانتشر الشقاء والحرمان والبؤس، وتراجعت القيم البشرية التي ميزت الإنسان عن الوحوش وتأججت نيران الحقد بين الشعوب واستعرت الضغائن وانتهكت الحقوق المشروعة لمعشر الإنس، وتحولت أسماع الناخبين من أهرامات مصر إلى  عاصمة "الرايش" برلين. كما أشارت عقارب الزمان في النظام الشمسي الذي تتكور فيه الأرض بمن عليها من الإنس والجن إلى أواخر النصف الأول من القرن العشرين حسب الحسبان الأعجمي. وألاحظ هاهنا أن هدفي من سرد هذه القصة العنيفة الدامية ليس إحصاء المعارك أو توثيق الأحداث، فذلك من اختصاص علماء التاريخ وهو من مهام فرسان الحروب وإنما هدفي كما أفصحت عن ذلك منذ الصفحات الأولى "للبداية والنهاية" هو دائما التفتيش والكشف بكل حزم وجرأة ونزاهة عن شياطين الإنس أينما وجدوا وكيفما وجدوا وإبراز حقائقهم اللئيمة البغيضة الفظيعة البشعة. ولن أدعي أني سأحيط بكل ما ارتكبه الأعاجم من جرائم وفواجع وحروب اشتعلت نيرانها في كل مكان من كوكب الأرض، ولكني أعتزم عزما صادقا ذكر ما فيه الكفاية للتدليل على وحشية شياطين الحكم والمادة وفظاعة جبروتهم وقسوة صلفهم الرهيب. استمرت الحرب الشاملة من سنة 1939 إلى سنة 1945 بعد مولد عيسى عليه السلام أهلكت كل شيء، والتهمت الأخضر واليابس، فنفدت خلالها مدخرات الشعوب من ضروريات الحياة بعد أن قصف شياطين الحرب السدود والمخازن والجسور والطرقات والمسالك والخطوط الحديدية والمواني الجوية والمواني البحرية ووسائل الاتصال ومصانع الإنتاج ومولدات الطاقة، والحقول والبساتين والغابات، ثم سمموا البحيرات والأنهار، فأجدبوا الأرض وجندوا طوعا وكرها كل من يقدر على حمل السلاح، فأقفرت الأرض وتوقف العقل عن التفكير وانهارت مراكز الإنتاج بجميع أصنافها. سفكوا أثناء ذلك دماء أكثر من مائة مليون نسمة وألاحظ لمن يشك في صحة هذا الرقم أن الذين قاموا بإحصاء أموات الحرب العالمية الثانية لم يحتسبوا أموات العرب والأحابيش والملونين وتجاهلوا ذلك لسببين اثنين:
1)     ليعفوا أنفسهم من مسؤولية الدمار والخراب أمام التاريخ، فواروا ما أصاب إفريقيا وآسيا من جدب وقحط وتخلف نتيجة توحش الأوروبيين.
2)      ليعفوا أنفسهم من مسؤولية التعويضات المادية التي تتعلق بفدية الأموات والتي يتحتم دفعها إلى أولي أمرهم من الذين نجوا من الموت.
بينما نجدهم قد دفعوا تلك الفدية إلى دولة إسرائيل وهي مبالغ ضخمة فاقت حسب المصادر المطلعة في ألمانيا ما يزيد عن 100 مليار مارك بين سنة 1946 وسنة 1996 كتعويض عن أرواح الأبرياء اليهود الذين أزهقت أرواحهم في مأساة "الهولوكوست" بأفران الغاز "بأشويتز" ببولونيا. حسب أسطورة الحرق التي لم تثبت صحتها حسب شهود العيان الأمريكان والألمان وغيرهم من الباحثين المحققين.
"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"                                                                                                                  "البقرة:29"
 فقد تنبأ الملائكة بالنزعة الإجرامية للبشر قبل خلق آدم وقبل مشاهدة شياطين الإنس يهرقون دماء الشعوب بغزارة ويعبثون بالأرواح البشرية كما تعبث العواصف العنيفة بأوراق الشجر. و أهداف تلك الحروب هي الهيمنة المطلقة على الشعوب ونهب خزائن الأرض، والتفاخر بالحضارات والأجناس. بينما رب العالمين أكد بكل وضوح في التنزيل الحكيم:
"يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم".                                         " الحجرات: 10".
كما بين سبحانه وتعالى في الآية 13 من نفس السورة: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير"                                                                    "الحجرات: 13".
هي حلقة عنيفة من الصراع الفظيع لمعشر الإنس مرت منها البشرية مذعورة، مقهورة، محطمة، منهوكة، مرملة، إنها الحرب الفظيعة اشتبكت فيها أسلحة الدمار من مدافع راجمة ودبابات مزلزلة وطائرات مقنبلة وبوارج قاصفة، وكيميائيات محرقة وملايين الشبان من شتى الأجناس والألوان والأديان.زحفت جيوش ألمانيا على بولونيا في اليوم الأول من شهر نوفمبر من سنة 1939م، فتحالفت فرنسا وأنقلترا مع بولونيا وفي 10 جوان 1940م أعلنت "إيطاليا" انظمامها إلى ألمانيا "ضد فرنسا وأنقلترا. في يوم 27 سبتمبر 1940م تحالف الألمان والطليان واليابان في جبهة "المحور" في 14 جويلية 1941 إعلان معاهدة الحلف الأطلسي. وفي يوم 7 ديسمبر 1941م أعلنت أمريكا والصين دخولهما في الحرب ضد "المحور". في 13 نوفمبر تدخل المستعمرات الفرنسية في إفريقيا الحرب إلى جانب الحلف الأطلسي. في 19 مارس 1944 استولى الألمان على "المجر" وفي20 جويلية1944م محاولة انقلاب على هتلر، ثم قتل أسرى الحرب في ألمانيا بأعداد مهولة وبوسائل فظيعة منها خنق الأسرى بالغازات السامة. و في 12و 19 سبتمبر 1944م تلتحق رومانيا وفنلندا بمعسكر الحلفاء .في 8 أوت 1945 الاتحاد السوفياتي أعلن الحرب ضد اليابان. في 2 سبتمبر 1945 أعلن اليابان استسلامه. في سبتمبر 1945 تستولي القوات السوفياتية على بولونيا وفي نوفمبر 1945 تهاجم القوات السوفياتية فنلندا. وحول الأعاجم الحرب منذ البداية إلى شمال إفريقيا ومصر وليبيا، فسحقت أرض البربر والفراعنة بملايين الأطنان من المواد المحرقة والأسلحة الفتاكة، أفنتنا بها وأجدبت أراضينا. وكما هو منتظر من شياطين الصلبان: فقد تشكلت فرق التصادم الأولى التي لا ينجو منها أحد من الموت، ممن جندتهم فرنسا وبريطانيا غصبا وقهرا من أجناس العرب والأحابيش والملونين من شتى البلاد المقهورة على أمرها. وتساقطت الأرواح البشرية في كل أنحاء العالم بأعداد مهولة. أما فرعون فقد صار هتلر ولو كنت أؤمن بتناسخ الأرواح المعمول به عند المجوس من عباد "بوذا" لقلت: إن "هتلر" هو "فرعون" تخلى عن لباس العصور الغابرة وارتدى ثيابا ألمانية تتلاءم مع قرن الرعب والتوحش أعني قرننا هذا. أما "هامان" فقد صار اسمه "رومل"، وأما سحرة "هتلر" فقد تطورت أساليب سحرهم ومناهج تضليلهم للشعوب، تركوا الحبال والعصي والأفاعي واستبدلوها بسحر "فرايد" و"هيقل" و"دارون" فاعتمدوا في تخديرهم للعقول على نظريات العنصرية وتفاضل الأجناس، والرقي الاجتماعي ونشوء الكون والتطور. أما زبانية البطش والتعذيب والترهيب فقد تكونوا من فرق: الـ: « S.S » تحت قيادة شيطان التعذيب" قوفلس". فعمّ البلاء، وانتشر الشقاء، وكاد الناس يأكلون بعضهم بعضا من وطأة الجوع.   و من المؤكد أن الألمان قد افترسوا الكثير من مشويات ومطبوخات الجثث البشرية أثناء الحرب الكونية الثانية، تماما كالوحوش المفترسة فإذا أثار هذا الكلام احتجاج القارئ، فأتساءل بكل تجرد عن الأسباب التي حملت الألمان على شي بني إسرائيل في أفران "أشويتز" إن صحت المحرقة ؟ وكي أكون نزيها في ذكر الأحداث الأليمة، أنقل شهادة "فرايمار" الألماني البالغ من العمر 81 سنة في سنة 1994 وهو الذي أشرف على مقر القيادة العامة للجيش الألماني النازي، وكان صديقا شخصيا لـ " أدولف هتلر" وفحواها ما يلي:
قال" فرايمار" للصحافة الألمانية: " إن وجود غرف الغاز إبان الحرب العالمية ليس إلا كذبة يهودية لابتزاز الشعب الألماني وأن اليهود اختلقوا هذه الكذبة رغبة في التعويضات المادية الهائلة والإبقاء على عقدة الذنب لدى الشعب الألماني.
     "عن الجرائد الصادرة يوم الجمعة 3-6 –1994 ".
وإن الإنسان المتوحش قد أكل اللحوم البشرية في أحوال أخرى وأماكن مختلفة من كوكب الأرض ولم ينفرد به النازيون الألمان، فقد سبقهم إلى ذلك المصريون في القرن السادس بعد الهجرة المحمدية الشريفة، أي في القرن الثاني عشر في الحسبان الأعجمي، وفي ما يلي بيان ذلك:
ورد في كتاب "الجراحات والمدارات" للفيلسوف التونسي "سليم دولة" في فقرة: الجرح الخامس والمدار الخامس، بعنوان: المهول في أخبار الإنسان الآكل والإنسان المأكول، الإنسان النيء والإنسان المشوي والإنسان المطبوخ، ما يلي حرفيا:
" … وانعدم القوت حتى أكل الناس صغار بني آدم من الجوع. فكان الأب يأكل لحم ابنه مشويا ومطبوخا، والمرأة تأكل ولدها … فكان يوجد بين ثياب الرجل أو المرأة كتف صغيره، أو فخذه، أو شيء من لحمه … ويدخل بعضهم إلى جاره فيجد القدر على النار، فإذا هي لحم طفل … لقد دشنت الإنسانية تاريخها بالعنف والدم وهو ما لا تزال تمارسه بأكثر ضراوة ووحشية … ولقد أحرق بمصر في أيام يسيرة ثلاثون امرأة، كل منهن تقر أنها أكلت جماعة … . "       "عن كتاب: الجراحات والمدارات"
وطبخ الإنسان لأخيه الإنسان ثم أكله لم ينفرد به المصريون الذين ذكرهم المقريزي بل لقد شوى الصليبيون المسلمين وأكلوا جثثهم ووقع ذلك لا من شدة وطأة الجوع بل تلبية منهم لدوافع الحقد والبغض والكراهية التي تأصلت فيهم منذ أقدم العصور فقد جاء حرفيا في كتاب : occident » « Islam- للمؤرخ التونسي أحمد قديدي في سياق كلامه عن الحروب الصليبية التي وقعت فظائعها  بين سنة 1096م وسنة 1270م ما نصه:
« les deux siècles des huits croisades ont certes baigné le levant dans le sang.Ce n’étaient pas des guerres régulières dans des champs de bataille, mais des massacres , des génocides, des destructions totales de villes entières, comme celui de Mâar, du connibalisme où les croisés avaient rôti et dévoré les musulmans en Janvier 1099 comme le rapportait leur propre chroniqueur Albert d’Aix, de l’esclavage avec son lot d’humiliation  et de désintégration familiale , du pillage, du brigandisme, de l’incendie des bibliothèques et des sites. »
    بعد هذا أعود إلى الحرب العالمية الثانية: انتشرت الأوبئة ودمرت المدن والأرياف وأقفرت البساتين والحقول وخربت المدارس وقصفت المساجد والبيعات والكنائس وهدمت المصانع والمصحات فأصاب الناس الوهن واليأس والجوع ورملت ملايين النساء، وحرمت ملايين البنات من الزواج، مما اضطر بنات حواء إلى إغراء ما تبقى من ذكور الإنس بالتبرج والكشف عن عوراتهن بارتداء الفساتين الشفافة القصيرة فكثر الزنى والفساد في بلاد الكنيسة لمنعها تعدد الزوجات، بينما إلاه الكون العليم بشؤون خلقه أباح للرجال ما يسد مثل هذا الفراغ المقيت في قوله تعالى من سورة النساء:  "وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، إنه كان حوبا كبيرا. وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء: مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا"        "النساء: 2-3".
وكما ورد في كتب التاريخ فإن نبي الله إبراهيم عليه السلام قد تزوج من أربع نساء هن سارة جدة بني إسرائيل وهي كلدانية الأصل وهاجر المصرية وهي جدة العرب المستعربة و"قنطورا" الكنعانية وأخيرا "حجون". أما داود عليه السلام فقد تزوج حسب ما أجمع عليه علماء تفسير القرآن الكريم من مائة امرأة. أما سليمان عليه السلام فقد تزوج من ألف امرأة. وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد تزوج من إحدى عشر امرأة، وذكرت هذا لدحض ما يفتريه الجهلة والنصارى والمضللون من منع تعدد الزوجات. ومن المعارك الطاحنة أذكر على سبيل التدليل معركة "دانكارك" ومعركة الاتحاد السوفياتي سابقا، ومعركة مضيق" الداردانال" على شواطئ ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، ومعركة الصحراء التونسية ومعركة المرسى الكبير بالجزائر والإنزال الأطلسي بالمغرب الأقصى ومعارك اليابان ضد سنغافورة وإندونيسيا واللاوس، والإنزال الأطلسي في إيطاليا، واجتياح القوات البريطانية للشرق الأدنى والشرق الأقصى. ومعارك البحرية الأمريكية بالمحيط الهادي ضد إمبراطورية مطلع الشمس. ثم زحف الجيش الأحمر على "برلين" فوضعت الحرب أوزارها وقد أعلن خبراء ألمان أن 200 مليون لغما توجد الآن في أكثر من 60 بلاد من مخلفات الحروب الفتاكة، مازالت قابلة للتفجير وزرع الموت بين الناس في شتى أنحاء العالم، أكثرها من صنع أمريكي وألماني وفرنسي وأنقليزي وهدم الطيران الملكي البريطاني بعد انتهاء الحرب بشهرين مدينة "دريدس"الألمانية على رؤوس خمسة وثلاثين ألف ألماني، فارتكبوا بذلك جريمة نكراء ضد الإنسانية قاطبة لم يقدموا إلى الآن ما يبررها. ثم استسلم اليبانيون عندما قذفتهم أمريكا بأول وثاني قنابل الدمار الشامل فلعلع دوي "الأورانيوم" في أرجاء "هيروشيما" ونقازاكي" وانتحر هتلر كما خسر السوفيات في الحرب أكثر من عشرين مليون نسمة، وخسرت ألمانيا أكثر من خمسة ملايين نسمة وخسر اليابان أكثر من مليوني نسمة، وقبل انهزام اليابان في الحرب الكونية الثانية أريد أن أشير إلى أن إمبراطورية "هيروهيتو" قد سفكت دماء عشرين مليونا من أفراد الشعب الصيني لقطع الطريق أمام الزحف الأحمر على بلدان الشرق الأقصى. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية تضخمت قوة "أمريكا" وأحكمت قبضتها على كوكب الأرض، فشرعت من المناهج وسنت من القوانين ما يكرس انفرادها في قمة هرم القوة والجبروت. وأسست منظمات الشياطين لتسهيل تسلطها على الدول والشعوب، تعمل كلها تحت إمرتها، تعزف أنغامها وتسبح بحمدها وتركع تحت أقدامها، تخدر بها الشعوب وترهب بها الأمم. وبدأ يحكم العالم بأسره "إبليس الإنس" عفريت "واشنطن".
وأختم هذا الفصل الدموي بآيات الله عز وجل من سورة إبراهيم عليه السلام: "وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم، ويسقى من ماء صديد، يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان، وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ".   ومن سورة النبأ:  "إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مئابا، لابثين فيها أحقابا، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، إلا حميما وغساقا، جزاء وفاقا".و من  آل عمران: "إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، و أولئك هم وقود النار. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم، والله شديد العقاب.  قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد".     
                                                                                    "آل عمران: 10-12". 

ج-إبليس الإنس
 هو أدهى وأخبث وأمكر من إبليس الجن، عليهما لعنة الله الدائمة.
"إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير". ولقد صدق العالم الجليل ابن خلدون في قوله: " إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع وذلك لأنهم أقدر على التغلب والاستبداد واستعباد الطوائف لقدرتهم على محاربة الأمم سواهم، ولأنهم يتنزلون من الأهليين منزلة المفترس من الحيوانات العجم".  "من الفصل الحادي والعشرين من كتاب المقدمة". واعتبر أيها القارئ بما ارتكبه وحوش أمريكا في شعوب اليابان والهنود الحمر وكوريا وفيتنام والعراق وفلسطين من جرائم فظيعة وحروب مدمرة ساهمت إلى حد كبير في خراب العالم الحديث وتحطيم أخلاق البشر جميعا.
 اللهم يا قاصم ظهور الجبابرة أقصم جبابرة هذا العصر، فقد أفسدوا علينا الدنيا والآخرة. إن من أتعس أيام الزمان البشري هي بالتأكيد
1)    لما أغوى إبليس الجن آدم وغرر به، فطردهما الله جل جلاله من فردوس النعيم الخالد، وأهبطهما ومن معهما من الإنس والجن إلى المجرة الشمسية التي نسكن أرضها.
2)     عندما ترك الأندلسيون خرائط جغرافية دقيقة، استطاع بفضلها "كريستوف كولومبوس" اكتشاف موطن شياطين الإنس، و"هنري البحار " البرتغالي الوصول إلى أدغال إفريقيا واستعباد زنوجها، فكان الحدثان منبعا لكل البلاء والرعب والوحشية الذين أصابوا كوكب الأرض منذ خمسة قرون كاملة وبدون استراحة.
فقبل سقوط الأندلس في مخالب الصليبيين كان الأعاجم يعتقدون أن بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) هو آخر الدنيا وكانوا يتوهمون أن كل من يتجرأ على التوغل في أعماق السواحل الإفريقية الأطلسية يتحول إلى زنجي، ينصح علماؤهم جميع البحارة بعدم الاقتراب منها. بينما كانت بيوت الحكمة في القيروان وقرطبة وغرناطة وبغداد تضيء الكون بعلوم المسلمين. فاكتشاف أمريكا كما هو معلوم وقع سنة 1492م، مباشرة بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل الوجود الإسلامي في الأندلس الشهيدة، وإني كما سبق أن أكدت في كنف هذا الكتاب: لست من الذين يؤمنون بقوانين الصدفة والاتفاق، بل كل شيء له أسباب وجوده وله مسببات فنائه. وعندما نسأل التاريخ ونستنطق أحداثه السرية، تبرز لنا حقيقة ساطعة لا لبس فيها ولا غبار عليها- رغم ما بذله الأعاجم من جهود مكثفة لدفن هذه الحقيقة – وهي أن السفينة الإسبانية التي اكتشفت أمريكا اعتمدت في رحلتها البحرية على خرائط جغرافية عربية، أمدها بها ملك إسبانيا، الذي استولى على خزائن العلوم الإسلامية عقب استرداده قرطبة وغرناطة. ونلاحظ أيضا وبكل أسى أن "بريطانيا" هاجمت في نفس تلك الحقبة الزمنية البغيضة  بلاد الإسلام المطلة على المحيط الهندي « L’océan Indien » ومن المسلم به اليوم في الأوساط العلمية: أن علماء الجغرافيا الأندلسيين، كانوا على علم بوجود جزر كبيرة وأراض شاسعة وراء المحيط الأطلسي، رسموا لها حتى الخرائط البيانية الدقيقة، تمكن بفضلها "كولومبوس" من الإبحار في اتجاه القارة الجديدة أمريكا والمرور بسلام من هاوية "باطلموس" السحيقة الوهمية. بيد أن الحقد الشديد والتعصب العنيف المتأججين في نفوس وقود الجحيم هما اللذان طمسا حقائق التاريخ الحق  التي أثبتتها كل الأبحاث التاريخية النزيهة والأمريكان هم كما قال عنهم الأديب العربي "توفيق الحكيم":  " … قوم خلقوا من الإسمنت المسلح، لا روح فيهم، ولا ذوق، ولا ماض، إذا فتحت صدر الواحد منهم، وجدت في موضع القلب دولارا".     
                                                                                كلمات من كتاب: عصفور من الشرق". 
و منذ البداية نتج عن اكتشاف "أمريكا" رعب فظيع ووحشية رهيبة، تهافت الأعاجم على الهجرة إلى أمريكا وتقاتلوا من أجل السيطرة على مناجم الذهب، فأفنوا الهنود الحمر وسفكوا دماء الملايين منهم لنهب أراضيهم وأبقارهم، وبعد ذلك لاستخراج المعادن الأخرى وخاصة منها البترول. واستكمالا لصفات التوحش والجبروت والتسلط اختطفوا من إفريقيا أكثر من ستين مليون نسمة، استخدموهم غصبا في أشقى الأشغال وأخطرها وأضرها على البشر. لنقرأ معا ما دونه أحد مختطفي الزنوج من إفريقيا عن اقتناص الأفارقة:  " … كان رجالنا يقتلون أو يخطفون كل من تقع عليه أيديهم، وقد تشاهد هناك أمهات يهربن بأطفالهن، وأزواجا يفرون بزوجاتهن وكل منهم يبذل قصاراه للنجاة، فيقفز بعضهم في البحر، ويرى بعضهم أن يختبئ في أركان أخصاصهم، وخبأ البعض أطفالهم تحت الشجيرات حيث كان رجالنا يعثرون عليهم …" ولو قدر لشباب إفريقيا البقاء في أوطانهم لما غرقت القارة السمراء في ظلمات الجهل والتخلف ولما بقيت مذعورة إلى يومنا هذا من شياطين أوروبا. وإذا أضفنا إلى ذلك ما نهبه المستعمرون الأعاجم من الخيرات الفلاحية والحيوانية والخامات الأرضية نستطيع تفسير سبات إفريقيا ونومها العميق المفزع. اعتاد إبليس الإنس العيش مع الأبقار والبهائم، يتصارع ويقتل كل من يعترض على الكلإ وعلى خزائن الأرض وعلى خزائن وأرزاق الشعوب. حصة البث المباشر من أبواق وأقمار شيطان التهريج الضخم: « C.N.N » هي الآن في خدمة المترشح الثالث لكرسي البطش والتوحش: سلطان البيت الأسود، إبليس الإنس. فتتحول أنظار الناخبين وأسماعهم من عاصمة "الرايش"،"برلين" إلى عاصمة إمبراطورية الرعب "واشنطن". يبدأ مشروع النظام العالمي (في ثوبه القديم) بمشروع "مارشال" الذي يقسم كوكب الأرض إلى مناطق نفوذ فرنسية وإنقليزية وصهيونية وإمبريالية وشيوعية ورجعية وتقدمية مضطربة ومتفجرة و متأرجحة ومبهذلة ومستعبدة ومقهورة على أمرها وشبه ميتة ملتحفة بسبات أهل الكهف. ثم يقدم أعوان "إبليس الإنس" وأذنابه وعبيده آيات الولاء والخضوع والطاعة والتقديس لأصنام القرن العشرين:
الإمبريالية، والعنصرية، والصهيونية، والمادة، والرذيلة، والضلال البعيد، ومنذ البداية سيطر كما أشرت سابقا – على شياطين أمريكا حب المادة وتقديس العنف فأبادوا شعوب الهنود الحمر بضراوة فظيعة ووحشية مرعبة، وما أفلام "هوليود" إلا صورة مصغرة ومهذبة من الأحداث الأليمة الدامية التي أفنت الملايين من أحفاد آدم بأمريكا، وحشدوا ما تبقى من الهنود الحمر بمنطقة قاحلة مملوءة بالأشعة العنيفة التي أفرزتها أعنف التجارب النووية الأمريكية المتواصلة طيلة نصف قرن من الزمن، أعني صحراء "النيفدا". والحقيقة المرة التي لا مناص من التأكيد عليها هي أن "الأنقليز" والإفرنج" أينما ذهبوا- تركوا وراءهم شياطين مثلهم أو أدهى وأعنف منهم بأحياز بعيدة. نحن الآن في الألف التاسعة من الوجود البشري اعتمادا على حسبان عبد الله محمد عبد الهادي، أو في أواخر القرن العشرين حسب التقويم الأعجمي. في يوم 24 جانفي 19

شياطين الحكم والمتعة


شياطين الحكم والمتعة



الفصل ج: شياطين الحكم والمتعة
قال الله عز و جل: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله.".                                  "النساء: 105".
اللهم، يا عزيز، يا جبار، إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. "إن الحكم إلا لله، أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إياه ذلك الدين القيم" "يوسف 40" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. " رواه مسلم وأحمد والنسائي رحمهم الله تعالى.  وقال ابن منظور رحمه الله تعالى:  وفي الحديث: "أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك أعفر" ومعنى ملك أعفر أي ملك يساس بالدهاء والمنكر.  "لسان العرب".
 وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

فقد بانت خسارتهم
فمـا ربحت تجارتهم
                        قضاة الدهر قد ضلوا
                        فباعوا الدين بالدنيـا
أما ابن خلدون فقد أقر أن: أكثر الأحكام السلطانية جائرة في الغالب إذ العدل المحض إنما هو في الخلافة الشرعية، وهي قليلة اللبث …". ونصح ميمون بن مهران بالابتعاد عن السلطان، لأنك إن أطعته خاطرت بدينك وإن عصيته خاطرت بنفسك، والسلامة أن لا تعرفه ولا يعرفك.وقال أبو القاسم الشابي رحمه الله تعالى:

ودمدمة الحرب الضروس لها فم
يصرم أحداث الزمان ويبــرم
فيهدم ما شاد الظلام ويحطـم
                ولعلعة الحق الغضوب لها صدى
                 إذا التف حول الحق قوم فإنـه
                هو الحق يغفى ثم ينهض ساخطا
و قال ابن خلدون رحمه الله تعالى: " … السياسة والملك هي كفالة للخلق وخلافة لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم.  و أحكام الله في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح كما تشهد به الشرائع. وأحكام البشر إنما هي من الجهل والشيطان، بخلاف قدرة الله –سبحانه –وقدره. فإنه فاعل للخير والشر معا و مقدرهما، إذ لا فاعل سواه … وإذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم ملوكهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل. فتفقد الفضائل السياسية منهم، ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم. قال الله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية، أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا".             "مقدمة ابن خلدون".
ماسك قلمي متسلح بإيماني معتمد على ذاكرتي، مجاهد بعقلي متوكل على الله تعالى، قد حان الوقت، كي أقتحم حصون الجبروت وبروج التضليل التي تخندق خلفها جبابرة الأرض. فبدون نفاق ولا مجاملات، وبدون زخرفة للكلام ولا مداهنات، أداهم بكل ثقة ووعي ورباطة جأش شياطين الحكم والمتعة الذين تعاقبوا على سياسة المملكة الملعونة الجاثمة على كوكب الأرض. وفي بداية الكلام عنهم، ألاحظ أن داء التكالب على الحكم وجرائم البطش والظلم والتوحش هي متأصلة في سلاطين العرب، وأكاد أمنحها الجنسية العربية: ولدت في أقوام عاد وثمود ومدين و قريش فقاومها أنبياء العرب الأربعة: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد عليهم الصلاة و السلام. ثم اشتد عودها في بلاد الشام عندما استولى معاوية على الحكم بعد اغتيال عثمان وعلي رضي الله عنهما، ثم انتشرت في العراق ومصر، ثم زحفت على بلاد البربر، فوصلت الأندلس، ثم تفشت عدواها في شتى أنحاء العالم. إن التوحش الذي تغلغل في أعماق العرب هو السبب الجوهري في خراب إفريقيا وآسيا، وهو العائق الأزلي الذي يمنعنا من بلوغ أسباب القوة والعمران كبقية أمم الأرض، والعرب هم خبراء قدامى في النهب والعبث والتخريب والتبذير وسبب ذلك: هو ما بينه العالم الجليل عبد الرحمان بن خلدون بأنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقا وجبلة، وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن  ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة… وطبيعة العرب يغلب عليها انتهاب ما في أيدي الناس …. و ليست للعرب عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد، ودفاع بعضهم عن بعض، إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو غرامة. فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه، أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم، فتبقى الرعايا في مملكتهم كلها فوضى دون حكم، والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران … والعرب هم دائما متنافسون في الرئاسة، وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه، أو أخاه، أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره… وانظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الأوطان من لدن الخليفة كيف تقوض عمرانه وأقفر ساكنه، وبدلت الأرض فيه غير الأرض … فاليمن قرارهم خراب، إلا قليل من الأمصار، وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع والشام لهذا العهد كذلك، وإفريقيا (أي ليبيا وتونس والجزائر) والمغرب لما جاز إليها بنو هلال وبنو سليم منذ أول المائة الخامسة، وتمرسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين، قد لحق بها وعادت بسائطه خرابا كلها، بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي كله عمرانا. والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. هذا ما أقره العالم العربي الجليل عبد الرحمان بن خلدون في كتاب التاريخ الذي يعتبر واحد من أهم المراجع العلمية على صعيد البشر جميعا. ولم يتغير من تلك الطباع المتوحشة شيء في عهدنا هذا فسلاطين العرب من المحيط الهندي إلى محيط الظلمات، ومرورا بضفاف البحر الرومي، لا يتركون كراسي الحكم إلا بالموت أو العنف، فلقد عاصرت تناوب خمسة رؤساء من فرنسا، وأكثر من عشرة رؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية ولكن لم يتخلّ أي سلطان من سلاطين العرب عن حكمه، من تلقاء نفسه. و السبب في ذلك هو طبع التوحش المتأصل فيهم، وزاد في طول أعمارهم طيب العيش وبحبوحة الحياة فيعيشون إلى أرذل العمر. أما عندما كان كتاب الله هو الدستور في عهد أبي بكر وعمر، فقد بلغ المسلمون أسمى مراتب العظمة وأعلى درجات القوة. فلما تغيرت الأهداف وانتصر التهافت على أعراض الدنيا تقهقر السلاطين وهلكت أمم العرب. ورغم تبذير ثروات الأمة الإسلامية قاطبة في تكديس الأسلحة المعطوبة الفاسدة فإن العرب قد استسلموا في مؤتمر مدريد لشروط الدولة اليهودية بعد استسلام ملوك الأندلس بخمسة قرون شمسية. ولقد درست مدة طويلة علوم الرياضيات في إحدى الكليات العسكرية، فلم أر على وجوه العسكريين إلا حب الأمتعة الفاخرة ومغازلة الحسان والتهافت على نعيم الحياة الدنيا. إن نظرية الحق الإلاهي في الحكم التي نادت بها "بابل القديمة" ثم احتضنتها "الكنيسة" قد أغرت كل السلاطين بالاعتقاد الخاطئ الذي يعتبر السلطان هو ظل الله في الأرض، يتحتم على الناس الخضوع المطلق لأوامره والتنفيذ الأحمق لرذائله، ففرض على الشعوب تقديسه وتأليهه. ونزولا عند رغبة السلاطين في تعزيز سلطانهم وتقوية نفوذهم حرف شياطين الفكر قول الحق تبارك وتعالى من سورة النساء: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"                                                                                                           "النساء".
فزعموا أن طاعة الله تعالى وطاعة محمد صلى الله عليه وسلم مرتبطتان بطاعة شياطين الحكم. لكني أستنكر بقوة العلم هذا الرأي الفاسد، وأقرر أن طاعة أولي الأمر من سلاطين الإنس لا تجب على الشعوب عندما ينحرف حكمهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذ أن طاعة ولي الأمر منوطة بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فإذا تخلى عن ذلك، فبيعته منقوضة وطاعته مرفوضة حتى يفيء إلى الله تعالى.  قال الله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون"                                                          "النحل:89".
وجاء في أول خطبة لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على منبره عليه الصلاة والسلام: " … أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، إن شاء الله. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله". كما حرم الحق –تبارك وتعالى- تحريما قاطعا الخروج عن نصوص الشريعة الإسلامية، ويعتبر –سبحانه- العامل بغيرها كافرا وظالما وفاسقا:
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"                                                                   "المائدة: 44".
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون".                                                                 "المائدة: 45".
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون".                                                                  "المائدة: 47".
أما المؤمن الذي يختار من الأحكام غير ما اختاره الله ورسوله فهو ضال: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا"                             "الأحزاب: 36".                                                                                                                                  
وعن المفكر الأردني سعد جمعة أنقل قول عميد كلية الحقوق في جامعة "فيينا" « Vienne » النمساوية، الأستاذ "شيريل":
"إن البشرية تفخر بانتساب محمد إليها، ذلك الأمي الذي استطاع أن يأتي بشريعة، سنكون نحن الأوروبيون أسعد ما نكون، لو وصلنا إلى قمتها بعد ألفي عام". وقول الفيلسوف "الألماني" "قوت": " …أية شريعة في الدنيا لا تستطيع أن تعلو على شريعة محمد وسوف لا يتقدم عليه أحد، وإذا  كان هذا هو الإسلام، فكلنا مسلمون". عن كتاب "الله أو الدمار " سعد جمعة".
" وأسس الدولة الإسلامية هي الشورى والمساواة والعدالة وعدم الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويشترط في السلطان: العلم، والعدل، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل …" ابن خلدون: المقدمة".
ويرى ابن خلدون أن من مقتضيات الرفق بالرعية أن يكون الحاكم في مستوى تفكير العامة منهم. فإذا كان الحاكم يقضا شديد الذكاء أدى ذلك إلى إرهاق الرعية.  وأستند في ذلك على الحديث القائل: " سيروا على سير أضعفكم ". وقال "شمويل" إلى بني إسرائيل:" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا. قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال. قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم. "والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ".                "البقرة: 247".
 فدل هذا القرآن على أن يكون الملك ذا علم وقوة في بدنه ونفسه حتى يستطيع سياسة ملكه في حالتي السلم والحرب. أما الحكيم: عمرو بن عبيد فقد قرأ على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سورة الفجر إلى " إن ربك لبالمرصاد "، فبكى المنصور، ثم قال له: زدني: فقال له: إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها. وإن هذا الأمر كان لمن قبلك، ثم صار إليك، ثم هو صائر لمن بعدك، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة، فبكى المنصور بكاء شديدا. ويقول عبد القادر عودة في كتابه: الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه: تمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بثلاث ميزات جوهرية هي:
أ*الكمال: أي أنها استكملت كل ما تحتاجه الشريعة الكاملة من المبادئ والنظريات التي تكفل سد حاجات الجماعة في الحاضر القريب، والمستقبل البعيد.
ب*السمو: تمتاز الشريعة أن قواعدها ومبادئها أسمى دائما من مستوى الجماعات، وأن فيها من المبادئ والنظريات ما يحفظ لها هذا المستوى السامي مهما ارتفع مستوى الناس.
ج*الدوام: تمتاز الشريعة عن القوانين الوضعية بالدوام. فنصوصها لا تقبل التعديل أو التبديل مهما مرت الأعوام وطالت الأزمان. وهي مع ذلك تظل حافظة لصلاحيتها في كل زمان ومكان … وإذا كانت الشريعة قد أعطت أولي الأمر حق التشريع، فإنها لم تعطهم هذا الحق مطلقا من كل قيد. فحق أولي الأمر في التشريع مقيد بأن يكون ما يضعونه من التشريعات متفقا مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة…. فإذا أتى أولوا الأمر بما يتفق مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية، فعملهم صحيح تجب له الطاعة وإذا أتوا بما يخالف الشريعة فعملهم باطل، وكل ما هو باطل لا يصح العمل به ولا يجب له الطاعة. ولقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعاني في قوله: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الطاعة في المعروف" وفي قوله عن أولي الأمر: "من أمركم منهم بمعصية فلا سمع له ولا طاعة …" ولقد أجمع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وفقهاء الأمة و مجتهدوها على أن طاعة أولي الأمر لا تجب إلا في طاعة الله، ولا خلاف بينهم في أنه: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق …" والخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد، واجب على المسلمين، وأقل درجات الخروج على أولي الأمر هو عصيان أوامرهم ونواهيهم المخالفة للشريعة.
"الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه" عبد القادر عودة".
إن الـ: "أنا" التي تكلم عنها علماء الاجتماع، والتي كان من المفروض –من الوجهة الأخلاقية- أن تحترم "الآخر" قد "توحشت" و "تجبرت" عند شياطين الحكم، فدمرت وهشمت كل الفضائل البشرية واستولت على كل أحاسيسهم، فهيمنت على مشاريعهم الجهنمية، وأخضعتهم إلى قانون الغاب: "القوي يفترس الضعيف" فاستعبدوا الشعوب واضطهدوها وامتصوا دماءها. وضربوا عرض الحائط بالحديث القدسي الذي رواه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى:  "يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا"                                                          "رواه مسلم رحمه الله".
إن الظلم –كما قال ابن خلدون– هو مؤذن بخراب العمران. فالعدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه من أن غايتها ومصيرها إنتهابها من أيديهم. فإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم في السعي في ذلك …، فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب، كسدت أسواق العمران وانقبضت الأحوال …. وحكى ابن خلدون عن المسعودي رحمهما الله تعالى- في أخبار الفرس، عن "الموبذان" صاحب الدين عندهم أيام " بهرام بن بهرام" وما عرض به للملك، في إنكار ما كان عليه من الظلم والغفلة عن عائدته على الدولة بضرب المثال في ذلك على لسان البوم، حين سمع الملك أصواتها، وسأله عن فهم كلامها ؟ فقال "الموبذان" للملك: إن بوما ذكرا يروم الزواج من بوم أنثى، وإنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في أيام الملك "بهرام بن بهرام" فقبل البوم الذكر بشرطها وقال لها: إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية، وهذا أسهل مرام. فتنبه الملك "بهرام" من غفلته، وخلا بالموبذان، وسأله عن مراده ؟ فقال له: أيها الملك، إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عزة للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل  للعمارة إلا بالعدل، والعدل هو الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب، وجعل له قيما وهو الملك. وأنت أيها الملك عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها وعمارها، وهم أرباب الخراج ومن تؤخذ منه الأموال، و أقطعتها الحاشية والخدم وأهل البطانة، فتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك. ووقع الحيف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع فأنجلوا عن  ضياعهم، وخلوا ديارهم، وأووا إلى ما تعذر من الضياع فسكنوها. فقلت العمارة، وخربت الضياع، وقلت الأموال، وهلكت الجنود والرعية، وطمع في ملك "فارس" من جاورهم من الملوك لعلمهم بانقطاع المواد التي لا تستقيم دعائم الملك إلا بها. فلما سمع الملك ذلك، أقبل على النظر في ملكه وردت الضياع على أصحابها. فأخذوا في العمارة وقوي من ضعف منهم فعمرت الأرض وأخصبت البلاد، وكثرت الأموال عند جباة الخراج، وقويت الجنود وسفهت أمال الأعداء، وأقبل الملك على مباشرة أموره بنفسه فحسنت أيامه، وانتظم ملكه. وقال ابن خلدون أيضا: " … إن الظلم مخرب للعمران … وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري، وهي الحكمة العامة المراعية للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
وقال الله عز وجل:  "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا، وجعلنا لمهلكهم موعدا ".                                   "الكهف: 59".
فقانون خراب العمران الذي أخبر عنه بديع السماوات والأرض، تبارك وتعالى، وقانون خراب العمران الذي أسسه ابن خلدون رحمه الله تعالى إنما ينفذان عندما يطغى الظلم ويتجبر الملوك، فيفسدون في الأرض ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. إن الشريعة الإسلامية قررت منذ البداية مبدأ المساواة بين البشر دون قيد ولا شرط، دل على ذلك قول الله تعالى من سورة الحجرات: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم". وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الناس سواسية كأسنان المشط الواحد، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". كما قررت الشريعة الإسلامية منذ  فجر وجودها مبدأ "الحرية" في أروع مظاهرها، فقررت حرية الفكر وحرية الاعتقاد وحرية القول، دل على ذلك قوله تعالى من سورة يونس عليه السلام: "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض" وقوله تعالى من سورة يونس أيضا: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وقوله تعالى من سورة آل عمران:  "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".
و من المبادئ التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية: العدالة المطلقة، دل على ذلك قوله تعالى من سورة النساء: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".
فهذه المبادئ الثلاثة التي تقوم عليها القوانين الوضعية الحديثة قد أسستها الشريعة الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا فكيف تصلح تلك القوانين للعصر الحاضر، ولا تصلح الشريعة الإسلامية وهي تقوم على نفس المبادئ ؟ والشريعة الإسلامية جاءت بمبدإ "الشورى" من يوم نزولها من السماء، وذلك قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" وقوله تعالى: "وشاورهم في الأمر". وهي الديمقراطية بالمفهوم الحديث. ورغم قداسة الإسلام ورغم طهارة العقيدة الإسلامية، فلقد وجد في التاريخ القديم والحديث من الملوك والسلاطين من عبث بمبادئ الشريعة الإسلامية وملأ مجالسه بالخمر والغناء والرذائل، وخاصة في العصور الأموية والعباسية و الأندلسية والفاطمية، فكانوا يبذرون أموال الأمة الإسلامية في الفسق والفساد والعبث، ومن أنذلهم وأحقرهم إطلاقا: الشيطان العباسي الواثق، آخر خلفاء العصر العباسي الأول، فقد سلك مسلكا فريدا من مسالك العباسيين والأمويين، فقضى مدة خلافته في مغازلة الغلمان، ويستبيح لنفسه من جرائم قوم لوط ما حرمه القرآن العظيم وما يخجلني ذكره وخاصة عشقه بالغلام المصري" مهج": إن رضي "مهج" عن الخليفة: الواثق بن المعتصم ابن هارون الرشيد استقامت أمور الدولة العباسية، و إن صد عنه فالويل كل الويل لمن يدنو من الخليفة الفاسق. هذه حقائق مؤلمة ومخجلة ذكرها السيوطي في كتابه: "تاريخ الخلفاء" إن دلت على شيء فهي تدل على جبن وحقارة علماء عصر ذلك الخليفة الشيطان وعلى نفاق شياطين الفكر الذين تخاذلوا واستمتعوا بلذائذ الحياة. ومن جبن شياطين الفكر العرب: قديمهم وحديثهم أنهم لا يعظون ملوكهم إلا نادرا جدا. وما كان يمكن للتلوط في  عهود الوليد بن يزيد والأمين بن الرشيد والواثق بن المعتصم أن يتفشى بفظاعة ضخمة لولا نذالة علماء الدين المنافقين               و فتاويهم الفاسدة ولولا حقارة ووضاعة من يدعون الإسلام كذبا ونفاقا وبهتانا فرفعوا الخلفاء إلى موضع "من لا يسأل عما يفعل" ثم حرفوا القرآن العظيم تماما كما سبقهم على ذلك أحبار اليهود ورهبان النصارى وكهنة الفراعنة ولقد بلغ استهتار الملوك والسلاطين بالإسلام إلى درجة وقحة شجعت زعماء الخمريات والغزل من أمثال أبي نواس على القول في مجلس من مجالس عظماء العهد العباسي تارة:
                         دع عنك لومي فإن اللوم إغـراء             وداونـي بالتي  كانت هي الــداء
وتارة أخرى:
                         تسقيك من عينها خمرا ومن يدها              خمرا، فما لك من سكرين من بــد
وأمثال مسلم بن الوليد على القول تارة:
                         هل العيش إلا أن تروح مع الصبا               وتغدو صريع الكأس والأعين النجل ؟
وتارة أخرى:
                          سقتني بعينها الهوى وسقيتهـا                  فدب دبيب الراح في كل مفصـل
فكل الحكماء الصالحين يتفقون على أن الإنسان لا يمكن له أن يكون صالحا إلا بتجاوز الـ: "أنا" الفردي الضيق وقهر النفس والابتعاد عن العالم المدنس والبحث عن العالم المقدس. ولقد تكالب البشر على السلطة، وتجذرت تلك الرغبة في أمة العرب بصفة خاصة، فتخاصم الأنصار والمهاجرون في سقيفة "بني ساعدة" على خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم سعد بن عبادة وأبو بكر الصديق، غداة وفاة الرسول وجثمانه –عليه الصلاة والسلام- مازال في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم يورى بعد التراب. وتجادل ستة من المبشرين بالجنة: علي وعثمان وعبد الرحمان وسعد وطلحة والزبير ثلاثة أيام بعد طعن عمر. ثم تناحر كبار الصحابة في معركة الجمل بعد مقتل عثمان، تحت قيادة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والزبير وطلحة من جهة وعلي وبني هاشم من جهة أخرى. واشتد القتال في معركة "صفين" بين أنصار بني هاشم وعلى رأسهم علي وأنصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية. ثم تقاتل الخوارج مع جيش علي في معركة "النهروان" ثم استفحل الخلاف بين الأمويين والعباسيين. ولعل أبلغ كلام عن العداوة التي تمكنت من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقتل عثمان الرسالة التي وجهها علي إلى معاوية ومنها قوله: " … ومنا النبي ومنكم المكذب [أبو جهل ] ومنا أسد الله [ حمزة ] ومنكم أسد الأحلاف [ أبو سفبان ] ومنا سيدا شباب أهل الجنة [ الحسن والحسين ] ومنكم صبية النار [ أبناء الحكم ابن العاص كما أخبر النبي بذلك ] ومنا خير نساء العالمين [فاطمة الزهراء] ومنكم حمالة الحطب [ عمة معاوية ]. والرسالة التي كتبها معاوية إلى سعد بن أبي وقاص يؤلبه على علي ومنها: " أما بعد، فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى الذين أثبتوا حقه، واختاروه على غيره، وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الأمر والشورى، ونظيراك في الإسلام وخفت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهن ما رضوا ولا تردن ما قبلوا، فإنما نردها شورى في المسلمين". ومنها كتابه إلى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري: "وهو ابن زعيم الأنصار سعد بن عبادة رضي الله عنه: " أما بعد، فإنك يهودي ابن يهودي [ لم يكن قيس كذلك وإنما نسبه معاوية إلى اليهود لتواجد بني إسرائيل بكثرة في يثرب ] إن ظفر بك أحب الفريقين عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك، ونكل بك، وكان أبوك وتر قوسه، ورمى غرضه فأكثر الجر، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طريدا بحوران". فرد عليه قيس بن سعد بن عبادة بالكتاب التالي: " أما بعد: فإنك وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرها، وخرجت منه طوعا، ولم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك. وقد كان أبي وتر قوسه ورمى غرضه، وشغب عليه من لم يبلغ كعبه ولم يشق غباره.. ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه".                         "البيان والتبيين: الجاحظ".
فاستبد معاوية بسلاح السياسة والغدر والمكر واستغل كل شيء من أجل التسلط على الخلافة الإسلامية والانتصار على علي كرم الله وجهه. وصلنا المملكة الملعونة واعترضنا فيها أصناف كثيرة من شياطين الإنس، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار. و لنتحصن من جديد بأسماء الله الحسنى، ولنكشف عن عفاريت الإنس من شياطين هذه المملكة الذين دنسوا الفضائل وحرفوا الشرائع، ونهبوا الخزائن وخربوا المدائن.
تغيرت البلاد ومن عليها                فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون              وقل بشاشة الوجه المليح
في هذه المملكة جعل إبليس اللعين خمسة أصناف من شياطين الجن يدبرون أحوالها، اختص كل واحد منهم بجزء من مكره وكيده:
-"ثبر" وهو الآمر بالثبور، ولطم الخدود، ودعوى الجاهلية.
-الأعور: وهو أمير الفساد والزنى.
-المسوط: وهو أكبر خبراء الكذب والافتراء، يعلم الناس ذلك.
-داسم: واختصاصه تفتين الناس بعضهم ضد بعض وزرع أسباب التخاصم بينهم.
-زكنبور: وهو صاحب الأسواق يعلم الناس أساليب الغش والزور وبخس الناس أشياءهم.
أما سيدهم فهو "قبقب" عليه اللعنة، يعشعشه إبليس اللعين مدة أربعين سنة، يعلمه أثناءها جميع فنون الفساد بأصولها وفروعها ثم يأمره بالهجوم على أهل التقوى والعلم من معشر الإنس. فلا ييأس من تحقيق مآربه إلا عندما تلتحق روح الإنسان العابد العالم الصالح بالرفيق الأعلى. لذلك يتعجب الملائكة عليهم السلام- عندما يعرج بروح المؤمن إلى السماء، بقولهم: " سبحان الله الذي نجى هذا العبد من الشيطان، يا ويحه كيف نجا؟ بعد هذا، أتساءل: من من شياطين الإنس استطاع أن يخلد اسمه في صفحات التاريخ الأسود، بوحشية وجبروت أكثر من كل الجبابرة الذين تعاقبوا على حكم المملكة الملعونة ؟
وإذا افترضنا –جدلا- تزامنهم على مسرح الحياة الدنيا، في أعنف وأفظع مظاهر بطشهم وتوحشهم، فمن منهم يستطيع الفتك بالجبابرة الآخرين، ومن منهم يغتصب عرش الجبروت والطغيان في مملكة الشياطين ؟
أما تنصيبه فسيتم بالاعتماد على ما دونه أموات البشرية وأحياؤها وإجراء انتخابات كونية خيالية على الطريقة الفرنسية، أستطلع فيها رأيهم في جميع زعماء البطش وجهابذة الظلم والفساد والتضليل من اللحظة التي قتل فيها "قابيل أخاه "هابيل" من أجل امرأة جميلة تخلقت في الجنة إلى اللحظة التي اشتعلت فيها نيران الكبرياء والحقد على المسلمين في شتى أنحاء كوكب الأرض في أواخر القرن العشرين من العهد المسيحي. وليكن في علم القارئ: أنه ليس باستطاعة أي شيطان من شياطين الإنس الترشح لهذا المنصب الفظيع المرعب ! إذ لا بد من توفر شروط الشيطنة الأساسية وأسباب العفرتة الجوهرية للصعود على ذلك العرش الملعون. ومن ضمن تلك الشروط أخص بالذكر: إتقان فنون الغدر والمكر والكيد والخبث والكذب والنفاق والتضليل والفساد والكفر والشرك والفسق واللذة والدعارة والسحر والاستغلال والنهب والاستبداد والتخريب والتوحش والتجويع والتشريد والإجرام والتقتيل والتعذيب والاستعباد والحسد والبغض والنقمة والقسوة وكل ما عساني قد غفلت عنه من الرذائل والجرائم والخبائث والقبائح والفواحش والكبائر والمظالم. كما أشترط فيه أن يكون طاغية زمانه بدون منازع ولا شريك وأنه سفك دماء الملايين ممن قدموا أرواحهم وأموالهم وأفكارهم فداء للحرية والحق والعدل والمساواة والشورى والجهاد في سبيل الله تعالى. فلما يستعرض كل مارد منهم سياسة بطشه يفرز الصراع في جولته الأولى الشياطين التسعة الآتي ذكرهم: فرعون من مصر، هرقل من الروم، كسرى من فارس، الحجاج من الشام، إيزبلا من إسبانيا، نابليون من فرنسا، ماركس من بريطانيا، هتلر من ألمانيا، وإبليس الإنس من أمريكا. فلما يتصارع هؤلاء التسعة المفسدون في الأرض يفتك فرعون وهتلر وإبليس الإنس ببقية عفاريت الإنس. عند ذلك يتقدم عفريت التهريج « CNN » وينظم مباراة شيطانية بين أعضاء المجلس الرئاسي الأعلى لشياطين الإنس، لإفراز "إمبراطور" المملكة الملعونة. وبعبقرية الأمريكان ودهائهم تبدأ الأقمار الصناعية المبثوثة فوق رؤوسنا في بث برامج فرعون، عفريت العصور الغابرة اعتمادا على ما أثبته التاريخ من أهواله وجبروته ومظالمه، وما قصه عنه القرآن العظيم من القصص المبين.

شياطين الفكر والمادة


شياطين الفكر والمادة



الفصل ب: شياطين الفكر والمادة

قال الله عز وجل: "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون".                                                                                    "البقرة: 79".
وقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:  " … ومن كذب عني متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"         "رواه البخاري رحمه الله"
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". رواه الشيخان رحمهما الله تعالى.
وقال العزيز الحكيم سبحانه وتعالى: "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم"           "البقرة: 159-160"                                                                                                                                   
وقال العظيم الجبار سبحانه وتعالى: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار و لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار. ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق، وأنّ الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ".      "البقرة: 174-176".
بينت في ما تقدم من هذا الكتاب ما بذله رجال العلم والمعرفة من جهد لفهم طبيعة الكون وتشريح الذات البشرية للكشف عن الأسرار الغامضة والألغاز المستعصية، فكانوا بذلك أهلا للتكريم والتفضيل الواردين في سورة الإسراء من التنزيل الحكيم: "ولقد كرمنا بني آدم وجعلناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".
أما في هذا الزمان فقد مسخ مرتزقة الفلسفة والعلوم والفنون والآداب وطوعوا مداركهم لإشباع غرائزهم الحيوانية، فأفتوا بغير علم وهاجموا كل المقدسات ورتبوا للوحوش والجبابرة مناهج التضليل وقوانين الاستبداد والتجبر، فساد على كوكب الأرض ظلم شنيع وجبروت فظيع. وباع شياطين الفكر إلى شياطين الحكم والمادة والدعارة مبادئهم وعقائدهم و علومهم وأرواحهم وأقلامهم وأدمغتهم بثمن بخس: الحياة الدنيا. كما عبثوا بكرامة الأبرار، فأفسدوا بذلك مسيرة الفكر البشري النقي الطاهر. وصدق ابن خلدون رحمه الله تعالى عندما قال في مقدمته: " … فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه وثروة، وليسوا في الأكثر، براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها …" وعن أنس وكعب بن مالك، رضي الله عنهما، أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكابر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار". "من كتاب: خزينة الأسرار: النازلي". 
وقال الدكتور أحمد قديدي في كتابه:"  Islam-occident ":
«  …Les pires despotes avaient toujours trouvé des ulémas pour justifier leurs crimes, et rencontré de rares autres ulémas pour les dénoncer et les défier.
La dynamique du pouvoir, au lieu d’être politique était souvent métaphysique … et l’est encore dans les sociétés arabes d’une façon ou d’une autre … »                                             « Docteur Ahmed Kedidi »
و أترجم هذا القول كالآتي: إن المستبدين قد وجدوا دائما علماء سوء، ليحلوا لهم جرائمهم ويزكوها لهم، ومن النادر أن يتصدى لسياستهم المشتغلون بالفكر والقلم. إن ديناميكية الحكم – عوضا أن تكون سياسية- كانت دائما غيبية- ومازالت هذه حالها إلى الآن- في المجتمعات العربية بطريقة أو بأخرى". ورحم الله الشيخ إسماعيل بن كثير عندما قال: " يا علماء السوء، جلستم على أبواب الجنة، فلا تدخلونها ولا تدعون المساكين يدخلونها. إن شر الدواب عند الله: عالم يطلب الدنيا بعلمه."
                       "من كتابه قصص الأنبياء".
فهؤلاء خبراء المجتمعات (les sociologues ) يشوشون العقول بافتراضات وهمية ويكرسون بها الهيمنة الإمبريالية والرأسمالية والإقطاعية فزعموا أن في شهر أوت من عام 1988م قد بلغ عدد مواليد البشرية –منذ القرد "الدارويني الأول": ثمانين مليارا كما زعموا أن عدد الأحياء منهم قد بلغ في ذلك التاريخ خمس مليارات نسمة، وبلغ عدد الأموات خمسا وسبعين مليارا… وزعموا أن قرد "دارون" عاش منذ حوالي مائتي ألف سنة، ثم بدأ يتطور، فتعامل مع النار واستفاد منها في طهي أطعمته، ثم صنع بعض الأجهزة، فقفزت إثر ذلك التطور- السلالة الدارونية إلى عدد خمسمائة ألف نسمة. و أستغرب من هذه المزاعم الكاذبة، إذ أننا لم نسمع عن القردة الموجودة بأدغال إفريقيا أنها تقوم بنشاط صناعي أو فكري، أو تطبخ ما تحتاج إليه من الأغذية، بل هي تأكل الفواكه والأثمار رغم مرور آلاف السنين من وجودها. ثم زعم خبراء التضليل أن الإنسان ظهر على شكله الحالي منذ حوالي أربعين ألف سنة، فبدأت الكثافة السكانية تظهر جليا من حوالي عشرة آلاف سنة، وحسب قولهم: ما كان يمكن بلوغ العدد الضخم الذي وصلت إليه هذه الكثافة لولا علوم الأوروبيين ولولا نهضتهم الصناعية التي وقعت في القرن الثامن عشر. لكنهم اعترفوا أن بعد نهضتهم المزعومة قد زاد عدد الأموات عن عدد المواليد وجحدوا أسباب ذلك التراجع. غير أنّي أؤكد و أبيّن أن ذلك النقصان قد نتج في حقيقة الأمر عن اغتصاب النصارى لأوطان الشعوب الإفريقية والآسيوية والأمريكية ابتداء من سنة 1600م، وعن فتكهم بملايين المسلمين في حملاتهم الصليبية والاستعمارية والاقتصادية والتخريبية، مما ألحق أضرارا فظيعة بشعوب الأرض. و زعموا أيضا أن أوضاع الحياة لما تحسنت في أوروبا، نتج عنها نمو جديد في عدد البشر، لما وفره النصارى من العيش الرغيد والرعاية الطبية! وأجيب عن هذا الزعم الكاذب بما يلي: إن الشعوب التي تتمركز في المراتب الأولى من حيث كثافة السكان هي جغرافيا في المشارق وليست في المغارب: فهي الصين والهند،           و أندونيسيا و الباكستان، واليابان، ولقد تكاثرت تلك الأمم لأنها كانت في مأمن من وحشية النصارى عندما كانت وسائل الاتصال الجماعية مفقودة، فلما وجد المحرك البخاري والمحرك النفطي والمحرك النووي طالت جيوش البطش والتجبر كل مكان من كوكب الأرض، وفرضت قوانين القوة والعنف والقسوة على المستضعفين في الأرض. ودليلي على كل ذلك الإشارة السريعة إلى معاناة شعوب الفيتنام وكوريا والصين والفيليبين و اللاوس وكمبوديا من حملات استعمارية عنيفة أشعلت نيرانها فرنسا و أنقلترا وهولندا ثم أمريكا. وكذلك ماذا تساوي مدة حياتنا اليوم في سنة 1999م مقارنة بمدة الحياة التي كانت تعيشها أجيال آدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام، فقد تراوحت بين 1000 سنة في جيل آدم وبين 200 سنة في جيل إبراهيم حسب ما دونه علماء بني إسرائيل، وما نقله عنهم علماء الإسلام. ثم بعد ذلك بدأت مدة الحياة البشرية تتقلص وتتناقص شيئا فشيئا حتى صارت إلى ما هي عليه الآن من الهشاشة و الميوعة والضعف، وما كان ذلك التدهور بالإمكان لولا الحروب والفواجع والجراثيم والتلوث وسوء التغذية التي سلطها شياطين الكون للبطش بأمم كوكب الأرض والقسوة على معشر الإنس. ولقد ربطت أمريكا وأوروبا بين مساعداتها الاقتصادية للدول الضعيفة وبين برمجة الإجهاض الإجباري في إفريقيا وآسيا، فقدمت أمريكا 620 مليون دولار لبرامج التنظيم العائلي في العالم، ونتج عن هذه المساعدة خمسون مليون إجهاض ووفاة مائتي ألف امرأة كل سنة حسب تقارير خبراء الديمغرافيا الذين تجمعوا في ندوة القاهرة في سبتمبر من سنة 1994م، سعيا ملحا من أمريكا وأوروبا في إبقاء خزائن الأرض على ذمتها وإفناء لتلك الشعوب رويدا رويدا خوفا من نفاد ونضوب خيرات إفريقيا وآسيا. هم بطبيعة تفكيرهم يعتقدون أن الكون موجود بدون صانع أو مدبر يدبر شؤون الكائنات، ولقد بحثنا أفكارهم وكشفنا عنها في البحث الأول من هذا الكتاب. غير أني سأبين بالاستشهاد بآيات من التنزيل الحكيم أن كل تلك الأوهام هي باطلة وفاسدة ببطلان تفكيرهم وفساد عقولهم. قال الله عز وجل:
 "وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين."           "النمل: 72-75"
وقال الله عز وجل: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى، ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون. وهو القاهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون"    الأنعام59-61.  وقال سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، واعلموا أن الله غني حميد، الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وما يذكر إلا أولوا الألباب".                                                                          "البقرة: 267-269".                                                                                                                                                                                                                                      
وقال سبحانه:  "إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا. ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا".                                                                       "الإسراء: 31".                                                                                                                                                                                                                                                     
نستنتج إذن من هذا القرآن الكريم أن البرمجة كاملة منذ الخلق الأول وشاملة لكل ما هو كائن من الأزل وإلى الأبد. فالمجاعات التي تصيب أجزاء كثيرة من كوكب الأرض لم تنتج عن نضوب خزائن الأرض من المياه والمعادن، بل نتجت –بكل تأكيد- عن سوء التصرف فيها وتبذيرها. ولقد أصاب المهندس السوري: محمد شحرور في قوله: "… والأرض بما فيها من أنظمة حياتية معقدة هي مكان إقامة الإنسان ونشاطه الواعي ومصدر حياته، وقد أعطانا الله هذه الأرض أمانة بأيدينا لكي نعمرها ونستفيد منها: قال تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب".   
       "هود عليه السلام: 61"
وقد خلق الله الأرض وأنظمتها بشكل أنها قادرة على أن ترمم نفسها وتحافظ على صحتها، والمشكلة هي الإنسان ذو النشاط الغير واعي و الغير   المسؤول، والذي من جراء نشاطه هذا قد يؤدي إلى افساد الأرض. فعلى كل البرامج الاقتصادية في التنمية والاستثمار أن تأخذ هذه الناحية بعين الاعتبار لأن فسادها من جراء عبث الإنسان فيها سيؤدي إلى دمار الإنسان نفسه …" المهندس محمد شحرور: الكتاب والقرآن"
وقال الله سبحانه:
 "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال"
 "الرعد 8-9"
وقال العليم القدير سبحانه:
 "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا و كلهم آتيه يوم القيامة فردا".
"مريم: 93-95".
إن  الله العظيم القدير، عالم الغيب والشهادة، ملك ملكوت السماوات والأرض قد خلق لمعشر الإنس جميعا من آدم إلى آخر مولود من البشر أرزاقهم ومكاسبهم وأنعامهم وأمتعتهم وكل ما يحتاجون إليه من أنواع الكائنات الأخرى الفضائية والبحرية والبرية في مراحل وجودهم الثلاثة: الدنيا والبرزخ والآخرة فخلق –سبحانه- السماوات والأرض وسخر فيها ما يعجز اللسان عن ذكرها كلها ويقصر العقل عن الإحاطة بها جميعا. وخلق العزيز الجبار تبارك وتعالى الجنة والنار والحور الأبكار وزبانية التعذيب للآخرة،  وخلق –سبحانه- التراب والدود- لمرحلة القبور. "يسأله من في السماوات و الأرض، كل يوم هو في شأن، فبأي آلاء ربكما تكذبان ؟ سنفرغ لكم أيه الثقلان"                                                              "الرحمان:29-31"
وقال تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين".
          "هود عليه السلام: 6"
وقال سبحانه: "وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة، قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين".                                                           "سبأ:3".
إذن فمن العبث والخبث والغباء أن نخشى من فراغ خزائن رحمة الكريم الوهاب سبحانه- لأن فراغها تصديق للكافرين والمشركين والمضللين في دعواهم الباطلة التي تزعم أن الله قد انتحر وترك الكون في الفوضى يموج بعضه في بعض. و لولا جبروت الجبابرة ونهم المتوحشين وجشع الإقطاعيين ولولا الأرباح الخرافية التي تجنيها ألف شركة عالمية احتكارية، تنهب لوحدها أكثر من خمسين بالمائة من الإنتاج العالمي في شتى الميادين الحياتية لما انتشر البؤس وتفاقم الفقر وتسلط على الناس الجوع والحرمان واليأس. عن أنس وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لو كان لأبن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي".
وكما قال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عن المعذبين في الأرض: " … فالله لم ينشر ضوء الشمس ليستمتع به فريق من الناس دون فريق، والله لم يرسل النسيم لتتنفسه طائفة من الناس دون طائفة، والله لم يجر الأنهار ولم  يفجر الينابيع لتشرب منها جماعات من الناس و تضمأ إليها جماعات أخرى، والله كذلك لم يخرج النبات من الأرض ليشبع منه قوم ويجوع آخرون. وإنما أسبغ الله نعمته ليستمتع بها الناس جميعا، تتفاوت حظوظهم من هذا الاستمتاع، ولكن لا ينبغي أن يفرض الحرمان على أحد منهم، مهما يكن شخصه ومهما تكن طبقته، ومهما تكن منزلته بين مواطنيه"." طه حسين: المعذبون في الأرض".
إن الله –تبارك وتعالى- هو الحي القيوم، دائم الوجود، وهو العزيز الجبار، دائم العزة والجبروت، وهو الكريم المبدع، دائم العطاء والإبداع، وهو العليم الحكيم، دائم العلم والحكمة، وهو الحسيب الرقيب، دائم الحسبان والمراقبة، وهو العلي الجليل، دائم العلو والجلال. وهو العظيم المجيد، دائم العظمة والمجد، وهو السميع البصير، دائم السمع والإبصار، وهو الشهيد الودود، دائم المشاهدة واللطف، وهو التواب الرحيم، دائم التوبة والرحمة، على من تاب وآمن وعمل الصالحات، وهو القوي المتين، دائم البطش والقوة، وهو الله الذي لا إله إلا هو، لا شريك له في ملكوته، دائم الوحدانية، وهو مالك الملك ذو الجلال والإكرام، الذي لا تزول من أسمائه الحسنى أية صفة من صفاته العلى المتضمنة كلها للكمال والجلال والعظمة والقوة والقدرة والعلم والحكمة والخبرة والخلق والإبداع. فسبحان الله  وتعالى علوا كبيرا عن جهل البشر وظلمهم  وبغيهم وفسقهم ومكرهم ونفاقهم وشركهم. قال الحق تبارك وتعالى: " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم، وأرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه،  وما أنتم له بخازنين"                                                                        "الحجر:21-22".
 وقال سبحانه : "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين".                                                 "سبأ: 39".                                                                                                                                     
ولقد سخر الله –سبحانه – للإنسان أينما وجد على البسيطة الخيرات تلو الخيرات وبصفة مسترسلة، وكلما أوشك نوع منها على عدم تناغمه وتناسبه مع أناس عصر من العصور، إلا وهدى الحكيم العليم الخبير البصير –سبحانه- مصابيح كوكب الأرض وألهمهم –إلهام النحل لا إلهام الوحي- إلى الكشف عن بديل له و مثالي على ذلك: الطاقة: فقد بدأ الإنسان باستعمال الحطب ثم الفحم الحجري، ثم الكهرباء، ثم النفط و الغازات، ثم الطاقة النووية، ثم الطاقة الشمسية، والبقية ستأتي لا محالة. مع أن كل هذه المصادر المولدة للطاقة مازالت موفورة وموجودة إلى الآن، ولم يندثر أي نوع منها.ومثالي الثاني على ذلك أيضا: الذهب. فرغم تناحر وتهافت ونهب خزائن الذهب من طرف شياطين المادة وعبيدها من أجل إرضاء رغبات عرائس الإنس لم تنضب ولم تندثر بمرور العصور. قال الله سبحانه: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير". كما أشار الله –عز وجل- إلى العلاقة العضوية بين شكر العباد لخالقهم وبين الرزق ووفرته في قوله تعالى من سورة الأعراف: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا، وأخذناهم بما كانوا يكسبون""الأعراف: 96".
إن تبذير شياطين الحكم ونهم شياطين المادة وخبث شياطين الفكر هو السبب الرئيسي في الفقر والبؤس والحرمان والخصاصة والجوع والجهل. وبرهاني على ذلك: الوفاق المبرم بين واشنطن وموسكو الذي نص على تدمير الصواريخ العابرة للقارات وتفكيك خمسين ألف دبابة، وثلاثين ألف قذيفة نووية، وأربعين ألف مروحية وآليات أخرى خزنتها ترسانات الرعب والبطش والظلم والفتك. والضرر يكمن في التكاليف الخرافية التي ابتلعتها أبحاث شياطين الفكر وصناعات شياطين المادة ونزوات شياطين الحكم في إيجاد تلك الأسلحة الفتاكة ثم الاتفاق على تدميرها أو تجريبها في بلاد المغفلين والمتخلفين عن عصرهم من العربان والأحباش والملونين. بينما كان من المفروض من الناحية الإنسانية ومن زوايا المنطق السليم صرف تلك الاعتمادات الضخمة في ما ينفع أمم الإنس، إذ أن ثمن صاروخ واحد يكفي لإقامة خمس مستشفيات من نوع مستشفيات باريس الأنيقة. أما الكيميائيون والصيادلة والأطباء فقد باعوا ضمائرهم كليا لجبابرة الأرض من أجل تكديس المال والعيش الرغيد وزخرفة القصور فوفروا لهم وسائل الدمار الشامل من غازات وزيوت وجراثيم وأخلاط فظيعة تفقد الإنسان عقله وصحته وسعادته. ولقد أخبر أطباء مسلمون –كانوا يسعفون ضحايا الحملة الصليبية التي استهدفت إفناء مسلمي "البوسنة والهرسك" بأوروبا أنهم أجهضوا ما زرعه خبراء التوليد "الصرب" في أرحام المسلمات –غصبا- من أجنة مأخوذة من مني الكلاب –كرم الله وجهك أيها القارئ. ولا أشك لحظة من أن هؤلاء "الأورتودكس" الكلاب هم الذين عناهم إبليس الرجيم عليه وعليهم لعنة الله الكاملة الدائمة التامة المسترسلة إلى يوم القيامة في ما أخبر عنه القرآن الكريم:
"لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا، ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله".
"النساء:119".
لكن الله –سبحانه- أعظم وأبطش وأقوى من جميع الشياطين: "فمهل الكافرين أمهلهم رويدا".                      "الطارق: 17"
و في سنة 1994 كشفت منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان أن سلطات الصين الشعبية تعدم الشباب بحجة و بغير حجة لبيع أعضائهم و أفئدتهم كقطع غيار لمن يدفع لهم ثلاثين ألف دولار للعضو البشري الواحد كالكلية مثلا أو العين أو القلب. أما قرائح شياطين الإدارة والاقتصاد فلا تبتكر إلا ما يزيد معشر الإنس إرهاقا وشقاء وهموما. ويجهد المنافقون والمغضوب عليهم والضالون والمشركون أنفسهم في المتاجرة بعقائد الشعوب و أديانها، فبذلوا كل ما أوتوا من مكر وغدر وخبث وكيد ودهاء من أجل إشاعة الفساد وتحريف كلام الله تعالى وإشباع غرائزهم ومن أجل إرضاء الشياطين التي تسكنهم والشياطين التي تحكمهم. قال الله تبارك وتعالى:  "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب     و يقولون على الله الكذب وهم يعلمون".                                                                    "آل عمران:77-78".
وأكذب الناس إطلاقا هم بدون أدنى شك قساوسة التدجيل الذين يبيعون صكوك الغفران ويحتجزون على حد زعمهم غرفا في الجنة لمن يتصدق للكنيسة بأملاكه، أما الحقيقة المرعبة التي سيكتشفونها يوم القيامة هي أنهم هم الذين سيخلدون في جهنم عقابا أليما من الله تعالى على شركهم وضلالهم وتأليههم عيسى عليه السلام، وتقديسهم الصلبان والأصنام. أما المنافقون من أمة الإسلام فقد اتبعوا الباطل وابتعدوا عن الحق، وداهنوا شياطين الحكم وأفسدوا عقائدهم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " … وأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم، وقلدوهم فيها: في الإثبات والنفي، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة. والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل ولو اعتقد صاحبه أنه محق. وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال.قال تعالى: "وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"                                                                       "آل عمران:139".
 فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان. قال تعالى: " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".                          "المنافقون:8".
فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا، ظاهرا وباطنا. وكذلك الدفع عن العبد بحسب إيمانه، قال تعالى: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا". "الحج:38" فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه". وجمع الله تعالى بين فتنة الشهوات وفتنة الشبهات في قوله تعالى: "كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، فاستمتعوا بخلافهم، فاستمتعتم بخلاقكم".                                             "التوبة: 69"
أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها ( والخلاق هو النصيب المقدر)، ثم قال سبحانه:  "وخضتم كالذي خاضوا"، فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات. فأشار سبحانه- في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح. فالأول هو البدع وما والاها والثاني فسق الأعمال فالأول فساد من جهة الشبهات والثاني من جهة الشهوات. ولهذا كان الحكماء يقولون: "إحذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون". وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل فالأول أصل فتنة الشبهة، والثاني أصل فتنة الشهوة.  ففتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، لذلك جعل سبحانه- إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين، فقال تعالى: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون". "السجدة:24".  فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.وجمع بينهما أيضا في قوله تعالى: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، والصبر الذي يكف عن الشهوات. "ابن القيم: إغاثة اللهفان".  وقال شيخ الأزهر الشريف: محمد الشعراوي: "و إذا كنا نحن المسلمون اليوم لا نعطي الصورة الحقيقية للإسلام … فذلك ليس عيب الإسلام … ولكنه عيب المنسوبين إلى الإسلام. وأخشى أن أقول: إننا كنا بذلك فتنة للناس، … لأن الناس أحبوا أن يروا الإسلام فينا فأعطيناهم معطيات غير ما يعطيه الإسلام … فزهدوا في الإسلام فكرا …، وزهدوا في الإسلام نظرا … ولقد قال رجل أسلم: الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أعرف المسلمين …، كلمة مرة توحي بأن المسلمين في معزل عن دينهم، أخذوه اسما ولم يأخذوه مسمى". "الشيخ الشعراوي: كيف نفهم الإسلام".
و في عصرنا هذا يفكر خبراء التضليل والإشراك من اللاهوتيين المسيحيين في بلاد العرب أن مشكلة بناء لغة عربية –دينية (مسيحية) أكثر تطابقا وتوافقا وانسجاما مع الثقافة العربية- الإسلامية، هي إحدى أكثر المسائل حيوية وأهمية. فأشاروا إلى ضرورة الدراسة المعمقة والدقيقة للغة القرآن وطرحوا موضوعا جديدا يتمثل في إمكان الاستخدام المبدع للنصوص الإسلامية في الصلوات المسيحية الشرقية، خاصة في مصر ولبنان موطن الكنيسة القبطية.
« M. Fitzgerald Christian Liturgy and Islamic Texts :
« Encounter : 1976 N° 30 PP.6-8.
هدفهم من ذلك: أنهم سيقدسون الصّلبان ويؤلهون عيسى بتلاوة القرآن في صلواتهم الكنيسيّة، قبّحهم الله في الدنيا و الآخرة.
"لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أنزله بعلمه، والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدا. إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا. إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا. يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم، فآمنوا خيرا لكم، وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما".                                                                                       "النساء:166-170"
وأفرزت برامج التضليل ومناهجه صنفا جديدا من شياطين الفكر: أسميتهم: "شياطين التهريج"، يتهافتون على الكذب بدون حياء ولا همة وينفثون سمومهم عبر الفضائيات والإذاعات واليوميات، مهرجين بكل الوسائل ومزورين لكل الحقائق وملوثين لكل الفضائل، فصاروا بذلك أركانا وأسسا لكل مشاريع الفساد وحملات التخدير التي تستهدف أرواح وعقول الشعوب في المشارق وفي المغارب. وكان تأثيرهم أدهى وأمر وأعنف من تأثير سحرة فرعون وزبانية "هتلر"، وفلسفة "ماركس" ومزاعم" دارون" ووحوش "هرقل". كان الكذب رذيلة في العصور الغابرة، فصار اليوم في سنة 2000م علما من علوم الصحافة، يستعمل لتمرير برامج الفساد بسلام، ولامتصاص غضب الشعوب. ولن أنس –في كشفي عن شياطين الإنس- ذكر عمليات الغش والتهريب والاحتيال والرشوة، التي تهيمن على معظم المبادلات التجارية والصناعية و الفلاحية بين شياطين المادة. ومن أخبثها إطلاقا: مبيعات الأدوية المتعفنة والأسلحة الفاسدة، والأغذية الملوثة ولحوم البقر المجنون  و الفضلات النووية إلى الأمم المتخلفة. إن الذي أزعج شياطين الإنس هو بقاء الفكر الإسلامي قلعة صامدة وحيدة تتصدى للمواخير التي تعج وتفيض بشهوات الجنس ومخدرات الفكر وشبهات العقل وحركات العبث والتضليل والكفر. ومازالت العقيدة الإسلامية –منذ إطاحتها بصروح الباطل- تستهدف للطعن العنيف وتتعرض للمكر المتجدد، من خصومها وأعدائها: من يهود ونصارى ومجوس ومنافقين وملحدين، علما منهم أن أسرار الحياة المستقيمة وأسباب سعادة البشرية، إنما تكمن في العقيدة الإسلامية، فزلزلوها زلزالا عنيفا في نفوس من يعتبرون أنفسهم من أمة الإسلام –اعتمادا على التاريخ والجغرافيا-. ولقد أكد الشيخ الجليل عبد الرحمان بن خلدون: "أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية: من نبوة، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة. والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم، هم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة، والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم".                                                                                             "ابن خلدون: المقدمة".
وإثباتا لهذا الرأي أقول: إن جامعة الدول العربية قد فرقت بين الشعوب العربية أكثر مما جمعت، فأيسر علي كعربي أن أطوف ببلاد الأعاجم من أن أزور بلاد العرب، كما فشلت محاولات التوحيد التي قام بها عبد الناصر في المشرق و القذافي في المغرب، لأنها لم ترتكز على ركائز الإسلام. ولقد فهم الأعاجم نظرية ابن خلدون فهما جيدا، ففككوا أمة العرب وشتتوها إربا إربا. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير. قالوا: يا رسول الله: أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى، ويصومون، ويصلون، ويحجون. قالوا: فما بالهم ؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف، و القينات، فماتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير". وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: فالمسخ على صورة القردة والخنازير واقع في هذه الأمة ولا بد، وهو في طائفتين:
- علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله، الذين قلبوا دين الله تعالى وشرعه، فقلب الله تعالى صورهم، كما قلبوا دينه.
- والمجاهرين المتهتكين بالفسق والمحارم. ومن لم يمسخ منهم في الدنيا مسخ في قبره أو يوم القيامة. وقد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:

وقد يورث الذل إدمانـها
 وخير لنفسك عصيانـها
وأحبار سـوء ورهبانـها
رأيت الذنوب تميت القلوب
وترك الذنوب حياة القلوب
وهل أفسد الدين إلا الملوك
فالملوك الجائرون يعترضون على الشريعة بالسياسات الظالمة ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله، وأحبار السوء هم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده وتقييد ما أطلقه ونحو ذلك، أما الرهبان فهم جهال المتصوفة المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وتعويض حقائق الإيمان بخدع الشيطان وأهواء النفس: فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشريعة، قدمنا السياسة، وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل، قدمنا العقل. وقال  أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع، قدمنا الذوق والكشف وعلى كل حال فمن تاه أو ضل أو انخدع أو فسق، أو كفر فعليه بما رواه ابن ماجه والطبراني والبيهقي رحمهم الله تعالى، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
التائب من الذنب كمن لا ذنب له". ويروى في التاريخ المدون أن يزيدا بن عبد الملك، ما إن ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز ملأ الدنيا مغاني وخمرا ومجونا وخلاعة طوال أربعة أعوام، وأتى بأربعين شيخا، فشهدوا له: "ما على الخليفة حساب ولا عذاب" بينما كان يقول من هو أشرف منه نسبا وأرقى منه علما وأصدق منه دينا وأقرب منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصديق، رضي الله عنه: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم".فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، وقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه: "من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار". "أخرجه أبو داود والترمذي رحمهما الله تعالى". كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار".                  "رواه ابن جرير رحمه الله تعالى".
ومن شياطين الفكر المعاصرين لي، امتاز المفكر المصري القبطي: "فرج فوده" بعداوته الصريحة للمسلمين، التي كشف عنها في كتابه: "الحقيقة الغائبة"، ونصح فيه أمراء المسلمين بما يلي: "إن على الحاكم –أي حاكم أن يتعرف جيدا على ساحته، وأن يتمسك جيدا بأسلحته، وأن ينأى بنفسه وبحكمه عن استعارة سلاح الآخرين، أو الانتقال إلى ساحتهم، أو الرقص على أنغامهم، ولو حاول معاوية أو عبد الملك، ولو حاول مساعدوهم مثل زياد أو الحجاج، أن يحتكموا إلى القرآن، أو ينظروا حول صحيح الإيمان، أو يفسروا قراراتهم بتعاليم الإسلام، أو يتباهوا على المخالفين لهم والخارجين عليهم بالصلاح والتقوى ونظافة اليد ونقاء السريرة، لانتهى حكمهم قبل أن يبدأ، ولأخلى معاوية مكانه لحجر بن عدي، ولتنازل عبد الملك عن منصبه للحسن البصري، لكنهم احتكموا للسيف، وهو دستور عصرهم، فدانت لهم الدولة، وسهل عليهم الحكم، وربما سعدت الرعية بالاستقرار والأمن و الأمان ولعل عصرنا لا يخلو من سيف متحضر: هو الدستور، لا يسيل دما وإنما يحفظ استقرارا ولا يطيح برؤوس وإنما يلزمها جادة الصواب، وليس لحاكم في عصرنا أو لنظام حكم في عالمنا المعاصر إلا أن يستوعب درس السابقين، بأسلوب العصر، لا بأسلوبهم، وليس له أن يحاور الخارجين في ساحتهم، أو بسلاحهم، أو أن يرقص على أنغامهم، وإنما عليه أن يلزمهم بالمحاورة في ساحته، وليحمدوا الله إن لم يجدوا فينا يزيدا، ولم يتطرف منا وليد، ولم يتول وزارة الداخلية المصرية حجاج، ولم يتملك منا عبد الملك، غاية ما في الأمر أنه يوكل إلينا حساب السياسة في أمور السياسة، … ويترك حساب الآخرة إلى الله، وليس إلى المسلمين أو أئمة المساجد" ويبدو جليا من هذا الكلام أن شيطان الفكر هذا [ فرج فوده] لا يختلف كثيرا عن شياطين الحكم الذين ذكرهم، فهو وإن لم يجرؤ على التحريض على استعمال السيف التقليدي فقد ألح على شياطين الحكم أن يجربوا سيوفا معاصرة، أحد وأمضى وأسن وأفتك من سيوف الأمويين، لما ينتج عنها من عجز وفقر وقهر وتدهور أخلاق، وتبذير طاقات الشعوب. فشياطين الفكر هم الدعامة المتينة والدائمة لشياطين الحكم في كل العصور والأمصار. ولقد وضع فقهاء الشام لعبد الملك بن مروان حديثا مضمونه: "أن من حكم المسلمين ثلاثة أيام، رفعت عنه الذنوب" وقد قال عبد الملك ابن مروان لما أفضى إليه أمر الملك، وكان كتاب الله في حجره: " …هذا آخر العهد بك …". ولما كان يحتضر أوصى ابنه الوليد بما يلي:
"أدع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا، فقل بسيفك هكذا. ثم أخذته غفوة فبكى الوليد، ثم أفاق، فقال: ما هذا ؟ أتحن حنين الأمة؟
إذا مت، فشمر وائتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه، فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه".
وشتان بين هذا الجبار وبين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- عندما خطب الناس عن دور الرعية في صلاح الحاكم وإصلاحه فقاطعه أعرابي قائلا: "والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا"، فانبسطت أسارير الخليفة عمر، وتوجه إلى الله حامدا، شاكرا، وقال كلمته المشهورة:
"الحمد لله الذي جعل في رعية عمر، من يقومه بحد السيف إذا أخطأ". وهي نموذج رائع لصدق الحاكم مع الرعية، وصدق الرعية مع الحاكم. وبعد هذا، وفي عام 75هـ خطب الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان، على منبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قتل عبد الله بن الزبير فقال:
" …والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا، إلا ضربت عنقه …"، وهو أول من نهى عن الأمر بالمعروف في تاريخ المسلمين. و رغم ذلك كان أئمة المساجد يرددون كل جمعة دعاء حارا أن يعز الله به الدين وأن يوطد له دعائم الحكم والتمكين وأن يديمه حاميا للإسلام وإماما للمسلمين، وافتروا كذبا وبهتانا: "من حكم المسلمين ثلاثة أيام رفعت عنه الذنوب". و لا غرابة في كل ذلك، إذا علمنا أن مهندس حكمه الأول هو الحجاج بن يوسف. وقبل إنهاء الحديث عن شياطين الفكر، أوجز الكلام عن أشهرهم في الأمة الإسلامية: قال عبد القاهر البغدادي رحمه الله تعالى: " … كان المسلمون عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا. ثم اختلف المسلمون في أمر عثمان رضي الله عنه، لأشياء نقموها منه، حتى أقدم لأجلها ظالموه على قتله. ثم اختلفوا بعد ذلك في شأن علي كرم الله وجهه، وفي معاوية، وفي حكم الحكمين: أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص اختلافا باقيا إلى الأبد، ثم اختلفت الخوارج فيما بينها، ثم اعتزل المعتزلة قول الأمة في دعواها: أن الفاسق من أمة الإسلام لا هو مؤمن ولا هو كافر، وألهت فرقة عبد الله بن سبأ[ وهو يهودي إندس في الإسلام ] عليا بن أبي طالب، ثم ظهرت دعوة الباطنية، وهي من فرق المجوس.أما أهل السنة والجماعة، كلهم متفقون على توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته، وفي أسمائه، وفي أبواب النبوة، وفي سائر أصول الدين. يجمعها الإقرار بتوحيد الخالق، وقدمه، وقدم صفاته الأزلية، والإقرار بكتب الله ورسله، وتأييد شريعة الإسلام، وإباحة ما أباحه القرآن، وتحريم ما حرمه القرآن، مع قيود ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر والإقرار بالحوض والميزان. فمن لم يخلط إيمانه بهذه الأمور بشيء من بدع الخوارج و الروافض والقدرية، وسائر أهل الأهواء، فهو من جملة الفرقة الناجية، إن ختم الله له بها". "عبد القادر البغدادي: الفرق بين الفرق".
قال الله عز وجل: "من كان يريد العزة فلله العزة جميعا، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، والذين يمكرون السيئات، لهم عذاب شديد. ومكر أولئك هو يبور".                                                                  "غافر: 10".
وقال الله تعالى: "يا أيها الناس: أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز. ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى حملها، لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى. إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وإلى الله المصير".                                "فاطر: 15-18".